أحبّك في زمن الثورات

بقلم فادي أبو ديب

 

كرهٌ في كلّ الأصقاع. أنباءٌ تأتينا بأخبار الخراب. الكلّ يقوم على الكلّ. الجميع يكره الجميع. الناس تخاف من الناس. فوضى تعمّ عقل إنسانيّة مدمَّرة، وأشلاء ضمائر متروكة على نواصي الطُّرُق. تشويشٌ واضطّرابٌ في كلّ مكان، وفي نفس كلّ إنسان. خوفٌ، دمارٌ، توحُّشٌ، تكالبٌ على كلّ شيء ومن أجل كلّ بليّة وخِربةٍ في هذا العالم. الجمهورر يبحثُ عن كلّ شيءٍ إلا عن كلّ شيءٍ أصيلٍ وجميلٍ وحقيقيّ.

        وأمّا أنا فأحبّك. أحبّك يا “حرّيّتي”. كلّهم جنودٌ يصرخون بهستيريا قلّ نظيرها وينفثون سمومهم، وأنا معك، إلى جانبك، أشقّ طريقاً ما وأحمل طفل شَغَفي. أحمله بحِرصٍ، وأغمره بقوّةٍ كي لا يُصاب بطلقة طائشةٍ تخرج من فم أو بندقية مجنونٍ أعمى العينين أو القلب. أخاف عليه أن يموت يا حبيبتي.

        أحبّك بكلّ جوارحي، أيّتها الهادئة في زمن الحروب، يا من تنظر بعينيها العميقتين إلى اعماق الرّوح. تضحك لكلّ حماقةٍ منّي، وترسم ابتسامةً كأنّها لوحةٌ تستمرّ للأبد كحركة الأمواج التي تسافر عبر القارّات في دورةٍ لا تنتهي.

        في مبتدأ الأوجاع في العصر الذي يكاد الحبّ الحقّ يموت فيه، أحبّك! في الزّمن الذي نخاف فيه “الواقع” السيّئ، أقول: لن يوقف أيّ شيء محبّة الحياة فينا، ولن يفصلنا أيّ شيطانٍ أبكمٍ عن ملائكة الحبّ. فكما انّ لا سيف ولا جوع ولا اضطهاد ولا قوّات ولا سلاطين تقدر أن تفصلنا عن محبّة ابن الإنسان الناصريّ لنا، هكذا أيضاً لا حقائق ولا تاريخ ولا جغرافية ولا أقاويل ولا أصنام ولا قواعد من صنع ضعف البشر السّاقطين، ولا أيّ دستورٍ من تأليف حُثالات المشرِّعين يمكن لها أن تمنعنا من عيش الحبّ. فلا الثورات تعيقنا، ولا الفقر يمنعنا، ولا سوء نوايا الناس يمكن له أن يوقفنا، فما صنعه الربّ لا يدمِّره بشريّ، وما جمعه الله لا يفرِّقه إنسان.

        تذكّري أنّنا أولادٌ صغار في عائلة الله! قوانيننا مختلفة عن قوانينهم، وبديهياتنا تفترق عن بديهيّاتهم، وحبّنا لا يتشابه مع حبّهم. هم يموتون من أجل العالم، ونحن نموت من أجل الحياة. هم يصارعون من أجل الكنوز الفانية، ونحن نصارع بأحاسيسنا وشَغَفنا البريء والخجول من أجل فضيلة الحبّ. هم يتفانون من أجل أنانيّتهم، ونحن نقاتل كي نعطي الحبّ لبعضنا بلا خوف.

        أحبّك في زمن الثورات! وفي زمن الجمود والبرود والتصلّب المميت. هل رأيتِ يا صغيرتي الحلوة تناقض البشر؟! يعرفون كيف يثورون ولكنّهم في ذات اللحظة جامدون متصلِّبون. يندفعون، وفي ذات الوقت هم ميّتون محنَّطون!

        أحبّك في زمنٍ بردت فيه من كثرة الإثم محبّة الكثيرين، وفي عصرٍ يكره الإنسان ابن بيته وهو يظنّ أنّه يحبّه.

        أحبّك كما أحبّ المسيح العالم، وأحنّ إليكِ كما حنّت العذراء المبارَكة إليه بين ذراعيها لأوّل مرّة، وأشتاق إليكِ كما اشتاقت إليه في كلّ يومٍ لم تره فيه.

        أحبّ حركاتكِ وسَكَناتكِ، وشقاوتكِ وهدوءكِ، وطفولتكِ ونضوجكِ، وغَضَبكِ وخَجَلكِ. أحبّ كلّ شيءٍ منكِ وعنكِ وحوْلكِ.

        حبّي ليس اندفاعاً، وَجدي ليس هروباً من فراغ، كلماتي ليست شِعراً حماسيّاً، بل هذه كلّها صلوات وتأمّلات وتكريسٌ مخلصٌ لسيّدة قلّ نظيرها في زمن جمود الأحاسيس وانقلاب المفاهيم وثورات الحقد والكراهية.

وتذكّري دوماً أن ما جمعه الله لا يفرِّقه إنسان! ومًن يعلم اللحظة الخفيّة التي يأمر فيها الإله بأن يُجمَع حبيبان؟!!