روحانا والطوفان العظيم

بقلم فادي أبو ديب

“منذ ذلك اليوم أصبحت أخاف البحر والموسيقى، فما عدتُ أحتمل صوت الأمواج بدون رؤية عينيكِ، وصرتُ أرتعد عندما أسمع التراتيل بدون أن أراكِ وأسمع صوتكِ.
خدعتنِي فلم تخبريني بأنك والبحر والألحان ثالوثٌ أبديّ !”

من خفقات روحي

أريد أن تريْ نفسكِ أجمل الجميلات، وأن تحبّي نفسكِ بكل تواضعٍ وطُهر. أريد أن أنظر إليك من بعيد لأراكِ دوماً سعيدة ومبارَكة وجميلة في الجسد وفي الرّوح.
أريد ألا يعكِّر أيّ شيءٍ في العالم صفاء ابتسامتك وحنوّ عينيك ونقاء قلبك القلق. أحبّ أن أراقب من بعيدٍ سعادتكِ أينما كان، لأن من يؤذيكِ سأصلّي ضدّه. نعم، سأفعلها وسيعرف العالم حينها كم هي قويّةٌ صلاة المحبّين المتوارين في الظلام البعيد.

أراكِ تذبلين أمامي رويداً رويداً ولا أستطيع أن أتحرّك قيد أنملة، فأنا مقيَّد بعشرات السلاسل ومختنقٌ بشباكٍ مصنوعة من الجُبن والخوف. وماذا لو استطعت قطعها؟ هل تقبلين أن أقطع قيودكِ أنتِ أيضاً؟!!
تقولين أنهم سيقتلوننا..نعم…سيفعلون!! دعيهم يحرقوننا كشهداء سيخلِّد الدَّهر الجديد القادم أسماءنا، ويحفرها على جدران المدينة المقدَّسة، فأكثر من قتل هذا الجسد لا يمكنهم أن يفعلوا. ت…خيّلي معي أن لدينا كنزاً مدفوناً في الداخل يُدعى “الروح”، وهم لا يستطيعون الوصول إليه. إنه سرُّنا الكبير الذي نستمتع به بعيداً عن عيونهم وآلاتهم وآرائهم وقناعاتهم الفاسدة ومخططاتهم الجهنّمية.

أأخبرك سرّاً؟؟
أريد طوفاناً عظيماً ليأخذنا جميعاً يا حبيبتي. فقد سئمت الحياة، ولم يعد هناك تعلَّقٌ إلّا بقليلٍ من الأمور التي أمارسها درءاً للجمود والاستكانة. فأقلامي وأوراقي كلّها سأطعمها للنار لأنها لا تنفع إلا في تعليمي الحريّة: ذلك الرّوح الذي لا ينفكّ يجذب روحي إليه.

أريد هذا الطوفان لكي لا أبقى أنظر إليكِ وأنتِ تذبلين وتيأسين وأنا عاجزٌ أمامك، فسلاحي الذي سأقطع به رُبُطي لا يقبل “شروط استخدامٍ” تحدّدينها أنتِ، فطريقة استعماله محدَّدةٌ منذ الأزل.
شاركيني الصلاة من أجل الطوفان، لأنّ به فقط ستكونين لي للأبد

أخافُ أن أجدكِ، وأن أقترب منكِ. أخاف أن يكون حبُّكِ وأنتِ بعيدةٌ أكثر سِحراً، وأن يكون مرآكِ في خيالي أكثر كمالاً، وأن يكون قلبكِ في أفكاري وتصوُّراتي أكثر إخلاصاً وأعظم تضحيةً وأعمق تيْماً. أريد ان أراكِ كلَّ يومٍ مبعوثةً في الرّوح جديدةً، وأن أكتشف فيكِ في كلّ لحظةٍ ما يجعلني أشعر بأنّني خالدٌ معكِ وأنتِ خالدةٌ معي. أرغب في أن أرى بريق عينيكِ يزداد لمعاناً مع كلّ ضحكةٍ ونظرةٍ وبسمة؛ يقولون أنّ المرأة عندما تعشق تُستنار عيناها وتصبحان أكثر ضياءً وشفافيّة ! ليت الأمطار تستمرّ في الهطول فتوقف كلّ شيءٍ، وكلّ نشاط، وكلّ الزّحام المقيت والاقتتالات القذرة، فلا نسمع بعدها سوى صفير الرِّياح الشَّرقية والأمطار المنسكبة من عالم البهاء الأعلى.

كان هناك معبدٌ قديم في رأس الجبل في قريتنا البعيدة، لا يدخله سوى شخصٌ واحد، فقوّة السماء لن تدخلنا البوابة إلا إن كنّا واحداً. سأجلس معك هناك في انتظار انتهاء الخلق الجديد. سيبقى الطوفان يا حبيبتي ألف عام. عندما سترتفع المياه، سنخرج لنبحر في كلّ الأصقاع، بهدوء، فلا شيء ينتظرنا. كل شيء سيكون قد اختفى، والحضارة الشرّيرة قد فنيت. عندها ستزهو أرواحنا عندما تجتمع مع مياه السّماوات والرّياح الغريبة العطر التي لم يعرفها بشرٌ قطّ.

لا بدّ أنّكِ تعرفين أن الماء والرّوح والعطر تشكّل ثالوثاً سماوياً سرّه مخفيٌّ عن عالم الحماقة السُّفلية التي نعيشها. سيكون هناك ما يكفي من الوقت لأحدِّثكِ عن كلّ الحضارات وكلّ الحكماء الخالدين، وسأريكِ أن قوى الطبيعة تصبح أكثر حناناً عندما يتّحد روحان على وجه المياه. لن يكون هناك شيءٌ يشوِّش على اندماجنا مع هذا المحيط العظيم والتفاعل مع لمساته ودعواته الخفيّة للحديث معه. سيغسل المحيط خطيئة العالم للأبد، وسنصبح كاهنيْن في عالمنا الجديد، نصلّي للساكن في النور الذي لا يُدنى منه، ونصادق المحيط العظيم…كل الخطايا والتشويشات الداخلية التي كانت تعيق إدراكنا وتجاوبنا مع الرّوح السماوية ستزول، وسيحلّ مكانها كونٌ جديد من الماء والنور والعطر واتّحاد روحيْنا للأبد..