لغة الألوهة المضطَّهَدة

بقلم فادي أبو ديب

“من سيقرأ السطور التالية ليعتبرها خيالاً جميلاً فأنصحه بألا يقرأها، فأنا لا أحمِّل نفسي عبء كتابة أيّ شيءٍ لا أعتقد بحقيقة وجوده”

منشورة أصلاً على حسابي على الفيسبوك في 26-9-2011

أؤمن حقاً بأن كل من نحبّه يترك فينا شيئاً أبدياً، لأن العناصر الجميلة المحبّة في كل شخص هي عناصر إلهية، وتخرج من مكامن إلهية في داخل الفرد، مختلفةً بذلك عن كل مكامن السلوكيات الأخرى.

لهذا فلدينا مسؤولية كبرى عندما نقبل على فتح قلبنا لإنسانٍ ما، لأننا بذلك نبني له بيتاً أبدياً في أعماقنا. فسواء استمرّ البيت عامراً بالأصوات والحركات أم هُجِر فسيبقى في كل الأحوال قابعاً هناك على صخرة الروح فنزوره في كلّ حين حاجّين إلى تلك الصورة التي لا يمكن أن نفقدها أبداً.

كم أضحك عندما يتحدّث أحدهم عن دور العقلانية في الحب. أضحك أحياناً ولكن نفسي تبكي أحياناً كثيرة أخرى، لأنني أصبحت أرى معظم الناس يقنعون أنفسهم بأن الحبّ غير موجود، أو أنه شرارة تتولّد إرادياً، أو أنه مجموعة من العمليات الكيماوية كما يظن بعض من يصرّ على أصل أسلافه الحيوانيّ، وهؤلاء طبعاً أحرار بأن يعتقدوا ما يشاؤون عن أنفسهم وعن أسلافهم!

 أيّ حبٍ عقلاني غير الحبّ الشيطاني البائس؟! لا يمكن للحبّ أن يكون عقلانياً، لأنه “حب”، وهو ظاهرة قائمة بذاتها كما أن العقلانية ظاهرة أو سلوك قائم بذاته.

العقلانية تعتمد على التحليل والتركيب والتفكير المنطقي، أما الحب فهو عطاء بلا حدود. بلا حدود بكل ما تعني الكلمة من معنى. الحبّ انسكاب واحتراق وذوبانٍ في الآخر ولأجل الآخر.

أي عقلانية تلك التي تولّد إلهاماتٍ لا حصر لها؟! الحبّ لا يمكن تصوّره ولا تخيّله ولا إعطاء دروسٍ في كيفية تنظيمه وتخطيطه والتحكّم به، فهو وليد اللحظة، وكلّ لحظة من لحظاته فريدة في وجودها وطعمها.

الحبّ موتٌ عن كلّ معقول ومنطقي. الحبّ موسيقى لا يسمعها إلى عازفها ومَن تُعزَف له أو لها.

الحبّ لغة تتحدّث بها العيون فتعطي معانٍ جديدة في كل لحظة واختبارُ جديد مختلفٌ تمام الاختلاف، فلذلك لا يوجد خبراء في الحبّ فالكلّ اطفال مبتدئون. وهنا لا يمكننا الحديث عن حبّ حقيقي وآخر مزيَّف. فالحب واحد وهو أصيل وصادق وشفّاف دائماً كشفافية الروح المخلوقة لتوّها قبل أن تتلوّث بالخطايا.

مَن يسعى إلى مَنْطَقة الحب وحصره وكبحه لم يعرف الحبّ يوماً، ومن يلخِّص الحب في الجسد فقط لم يعرف الحبّ أيضا. الحبّ خطابٌ بين الأرواح والقلوب والعيون. فكم من مرّة عشقنا أشخاصاً قبل أن ندخل في ما يكفي من تفاصيل حياتهم. يقولون أن الحبّ قرار؟! يا لبؤس البشر!!

الحب المقرَّر ينتهي أيضاً بقرار، ولكن الحبّ ولادة جديدة لا يمكن منعها ولا تثبيطها، لأن المنطق يقف متواضعاً وعاجزاً وجباناً أمام هذه العاصفة الهوجاء الهائمة في كلّ مكان. الحبّ ياقوتةٌ نادرة وقليلون هم من يجدونها!

الحبّ ليس من هذا العالم، لأن كلّ شي في هذا العالم مناقضٌ له. عصرنا اليوم يتشدّق بالحب في معظم كتبه وفلسفاته وإعلاناته، وكثيرةٌ هي العظات عن الحبّ في عظاته وأحاديث أديانه وفنونه. ولكنّ الحبّ نادرٌ حقّاً وجميل لدرجة تفوق احتمال العالم الساجد بكل أديانه وفنونه ومسَلَّماته الأولى لبعل، إله السلطة والمال، بدون أيّة مقاومة. الحبّ فيه تخلٍّ وهجرٍ لكل البديهيات المعاصرة والقديمة التي تتنكّر له لأنه يمنح الحريّة في عالمٍ ما برح أساس وجوده يقوم على الاستعباد وقتل الأرواح وتهشيم القلوب العاشقة. الحبّ ثورة لطيفة مسالمة، رائحة مقاتليها من رائحة أزهار الوديان البريّة، وقلوبهم مليئة بكراهية العبودية ومليئة بمحبّة الأصل الأوّل.