بارقة حلم

بقلم فادي أبو ديب

لو علمتُ أنك تلبّين الدعوة سريعاً ما كتبتكِ شعراً. ولو علمتُ أنّ العصافير الصغيرة أوصلت لروحكِ كلمات قصيدتي وهي تلعب فرحةً لفكّرت مئة مرّة قبل أن أنثرها في عالم الرّياح.
منذ القديم عقدنا اتفاقية بيننا وبينكم. لا نزوركم ولا تزوروننا. لا نجتاز الحدود المحرّمة لئلا نرتبط للأبد.
انسللتِ في فراشي، وأمسكتِ بيدي، وعدتِ إلى مكان الضّلع الذي نزعه الخالق مني في عدن. في عالمكم صدقٌ وعطاء، أما في عالمنا فالتشويش هو الإله والحاكم. أنتم من بقايا الحالة الأولى وكأنكم أحرزتم الوعي الكامل، أما لدينا فهناك التخبّط والتشرذم وقناعات الشياطين.

لا يجب أن تعبري إليّ رغم أنّي أحبّك! نحن لسنا من ذات العالم بعد. عبوركِ يحرق حدود عالمي، وعبيركِ يدمّر أسسه وصفاته.
في عالمكِ الواسع اللامنتهي يكون القرار الأبدي وليد لحظة وجدٍ لأنّ الحاكم هو روحٌ نورانية واحدة،أمّا في عالمي فقد حُرمنا هذه النعمة لأن آلاف الأرواح التائهة تعصف بقلوبنا المريضة.

في عالمكِ آلافٌ من الوجوه تسكنها روحٌ واحدة، كاملة، ساحرة، تنير القلب للأبد بثباتٍ مطمئن، اما في عالمي فكلّ وجهٍ تسكنه آلافٌ من الأرواح المتناقضة المتلِفة الموهِنة التي تعذّبنا لأنها تعطينا خيال ما يجب أن يكون، ولا تكون كما يجب أن تكون.

لا أستطيع أن أطردكِ فليس لديّ سلطةٌ على عالمكِ، ولكني سأخاطر بحياتي وأطلب منكِ أن تحرقي الحدود للأبد.
أنا عالمٌ ما أطلب، فقلوبنا في هذا العالم لا تحتمل رياح عالمكم، ولكن أحدنا يجب أن يضحّي، وانا من يملك حريّة الإرادة. فهلمّي!

تتجسدّين بأشكالٍ مختلفة. أعرفكِ جيّداً ولكنكِ لا تعرفيني. أنتم لا تشعرون بالألم فعالمكم تخلّص من الآلام. ولكني سأشرح لكِ: كيف يمكن لوردةٍ أن تشتهي العيش في مرجٍ يرفض وجودها؟ يحاول أن يقنعها بأنّ مكانها ليس هناك، وهي لا تعرف غيره بحراً تتنفّسه. يوهمها بأنها مخطئة، متوهّمة، تعيش في الخيال، ولكنها لوحدها تعرف. تعرفه جيّداً لأنها تعرف أنها تنمو فيه.
كيف أقنعكِ أنني أعرف كلّ تجسّداتكِ، لا بل أعرف كل المعاني التي تخصّكِ ولا تعرفينها؟
قبل أن تتحدّثي، أعرف كلّ ما ستقولينه وما لن تقوليه، وما تخبّئيه، وما تقولينه بعينيكِ وفي لحظات شرودكِ.
مهما اختلفت انبثاقاتكِ أبقى متّصلاً بجوهركِ. تحاولين أن تتغيّري، ولكن هذي أنتِ!
ربما كان ألمي الدائم، هو أنّ أمّي لم تغمرني أبداً في النهر المقدِّس، فبقيت عيناي تريان الجوهر في حين التهت الخلائق بالمظهر. وها أنا أمامكِ أضعف من ألفِ ألف آخيل.