واقعنا الخفيّ

بقلم فادي أبو ديب

في العالم الطبيعيّ نحتاج لهدوء ساكن، أو لطوفانٍ من الصوت الخفيض المنتظم لدرجة لا يعود يبدو صوتاً يقاطع دَفق أفكارنا، لضوءٍ خافت، لهبّات ريحٍ وادعة محمَّلة بعطورٍ غامضة خفيفة، فقط كي نختبر شيئاً من عالم الأحلام.

ما الذي يجعل للمكان في الحلم هذه الرّهبة وهذه السماوية، أو الصوفية، أو مهما كان ذلك الشعور الغريب الذي يندر أن نشعر به في ذات المكان في الواقع، إن شعرنا به من الأساس؟

عنصران مزعجان على الأقل لا يوجدان في الأحلام: العنصر الأول هو الصوت؛ فهذه الظاهرة الفيزيائية المحضة لا توجد بالطبع في ذلك العالم النفسي/الروحي الذي يخرج من أعماق مجهولة في النفس البشرية، والتي التي لا نعرف عنها شيئاً على وجه التأكيد.

معظم وربّما كلّ الأصوات في العالم الصناعي هي أصوات فوضوية، تشويشية، تنمّ عن فوضى العالم وأفكاره المشتِّتة والمشتَّتة. وهذه الأصوات تبقينا دوماً على أهبة الاستعداد للاشيء ولكل شيء في نفس الوقت!!
هذه الأصوات دخيلٌ على عالمنا الداخليّ، الأصيل، وعلى تركيزنا، وعلى كل ما يمتّ للتواصل الإنساني-الإنساني، والإنساني-الطبيعي-الإلهي بصلة.
لا أستغرب أنه كلما ازداد ضجيج العالم، زاد التفكّك، وكَثُر التشويش النفسي، لا بل وانقطع الإلهام الإلهي الواضح، فالبنية النفسية للإنسان الفرد تدمّرت بفعل “الغزو الصوتي” المؤلِم.

أمّا العنصر الثاني هو وعينا المخرَّب، شعورنا بذاتنا الذي أصبح مستَمدّاً من الخارجيات، كما أصبح مستَنفَراً دائماً لأجل الدفاع عن نفسه في وجه كل شيء يهاجمنا.
في الحقيقة، فإنّ كلّ شيء يهاجمنا حقاً!!!
الإعلام، الإعلانات في كلّ مكان، العلم والمتطلَّبات التافهة التي تشكل كلّ ما نعيه تقريباً.
كل ما يحيط بنا يدفعنا للخروج من ذاتنا.

في الحلم، نحن مستقبِلون لكل المشاعر والتفاصيل، غارقون بها حتى قمّة النشوة. الأصوات معدومة، ونحن لسنا بحاجة للدفاع عن أنفسنا، لأن العالم هناك ملك للأحاسيس فقط.
عالمٌ كامل من الأحاسيس، والعقل كفاعلية منطقية يكون معدوماً، مُساقون بالكامل لوعينا الداخلي.

القدماء توفّر لهم الكثير من الفرص ليجرّبوا هذا العالم الداخلي، فلا عجب أنّهم كانوا ملهَمين. نخطئ عندما نظنّ انّ وعيهم كان متخلِّفاً. في الحقيقة، نحن المتخلِّفون، لأننا لا نعي أنفسنا، بل نحن آلات مبرمَجَة طوال الوقت على الدّفاع.

نحن نخاف أن نتعرّى كاملاً من تأثير الصوت والوعي المدافِع؛ نخاف أن نبقى في الطبيعة لنعرف أنفسنا أكثر، لأننا اعتدنا على الانشغال بالخارجيّات بشكلٍ لم يتوفّر في العصور السابقة.

الحلم، لمن هو محظوظ بنواله، هو بقيّة من صراخ الإنسان الداخلي الذي يحاول أن يخرج إلى العالم الخارجي. في الحلم ليست عيوننا هي من ترى بل أرواحنا. كلّ المرئيّات في ذلك الحيِّز هي تجسّدات لما في الداخل، فيبقى الرّائي والمنظور كجنينيْن وحيديْن في نفس الرّحم الكوني الهائل تختفي كلّ المداخلات من حولنا، فكاننا لا نعود نسمع إلا صوت قلب الأمّ التي تحملنا.
في الحياة الملموسة هنالك خوفٌ لا واعٍ يسكننا، لا ندركه أو نشعر به إلا عندما نختبر الحالة الجنينية التي في الحلم.

*** *** ***

نحبّ دوماً أن نصنِّف تجاربنا إلى وقائع وخيالات. ولكن كيف نعرف الواقع من الخيال؟
هل الواقع هو الذي يحدث؟ فالصور التخيُّلية حادثةٌ في دواخلنا. هل الواقع هو الذي يغيِّر؟ فأحلامنا وأفكارنا وما نراه في نومنا، كلّها امورٌ تغيِّرنا. هل هو الذي يؤثِّر في نتيجته الأخيرة في الفيزيائيات التي حولنا؟ من يثبت ذلك؟ من يعرف إن أثّرت أم لم تؤثِّر؟ ومن يدري ماهية الجوهر المميِّز للمادة أصلاً؟
ولكن، ألا تؤثِّر أفكارنا وتخيُّلاتنا وما نسمّيه “أوهامنا” وما نراه في نومنا وما نشعر به في أشواقنا وإرادتنا وأفعالنا؟
ما هو إذاً الخط الفاصل بين الواقع والخيال؟ وعلى هذا، من قال أننا يجب أن نحترم ما تسمّيه الثقافة السائدة “واقعاً” اكثر مما نحترم ما تسمّيه هي أيضاً “خيال”؟
من هو الأكثر تأثيراً فينا، ما يحصل في الخارج أم ما يحصل في الدّاخل؟
في النهاية ما هي الحقيقة التي نعيشها؟
إن أشعلتُ ثورةً في داخلي (أو أُشعِلت بفعل فاعلٍ لأكون أكثر دقّةً)، بالقيم، بالأفكار، بالآمال، بالجنون، فتغيّرت وأصبحت آخراً، هل تكون ثورتي السااكنة الفِعل الخارجي بدايةً، وربما حتى النهاية، واقعاً أم خيال؟

هل حبّي واقعٌ أم خيال؟ إن أحببتُ وتغيّرتُ وامتلكتُ شيئاً جديداً في قناعاتنا، أيكون حبّي واقعاً أم خيال؟
إن رأيت مناماً واثنين وعشرة ومئة وألف، فزادت بصيرتي وازدهر شوقي، هل تكون مناماتي واقعاً أم خيال؟
هي حدثت، وكون العالم الفيزيائي لم يشهد على حدوثها فهذا لا يعني أنها لم تحدث! لقد حدثت معي…هناك…في الداخل.
ربما حدثت لأن شخصاً آخر كان يختبر حدوثاً آخر لديه، في داخله!!
ونحن ليس لنا أيّ عِلمٍ بعالم الأحداث تلك.

كلها وقائع وكلّها خيالات. فنحن نتاج ما نتخيّل، ما نحلم، ما نتوق إليه. نحن نتاج المخيِّلة في النهاية.