ميلانكوليا

بقلم فادي أبو ديب

لوحة للفنان سلافا خودوركوفسكي (خودار)

ربّما لأوّل مرّة في حياتي أشعر أنّ كل شيء حولي بدون معنى تماماً أو ذو معانٍ لا أفهمها. التلفاز بأخباره وأفلامه وإعلاناته وقضاياه وقذاراته واستحداثه للأحداث لدرجة باتت تثير القرف؛ الشوارع بما فيها من حركة وسكون وجمود وسعي؛ الكتب بما فيها من تنظير وفنّ وكلمات وآهات وآمال وتعابير وجمال؛ الأديان بالادّعاءات الفارغة للأغلبية الساحقة- إلى حدّ يثير الجنون- من معتنقيها، ومواعظهم، وأمجادهم المتآكلة الواهية، ومنشآتهم، وانتصاراتهم الوهميّة، وآلهتهم المتقلِّبة الأهواء، القابلة للرشوة؛ عالم الأعمال بكذبه ونفاقه وظلمه ووقاحته وعربدته واستغلاله للإنسان واستخفافه بأبسط وأكثر حقوقه بديهيةً.

هذا العالم فريسةٌ للمنظومات البشرية المتوحِّشة، فمنها من يرمينا في البراري لكي تفترسنا الذئاب، وأخرى تكتفي بالإشارة إلى الحقّ من بعيد، لتطعننا بحرابها في ظهورنا العارية إن حاولنا الاقتراب منه.
كلّ شيءٍ يبدو مصطَنَعاً،غافلاً عمّا نحن فيه، والأنكى من هذا وذاك هو عندما يأتينا من يحرِّم علينا أن نعترف بحقيقة ما يجري ويتّهمنا بالسوداوية. وأيُّ شرفٍ نناله بهكذا تهمة!
يا لكِ من مقدَّسة أيتها السوداوية! يا لكِ من رمزٍ للشجعان المتأهّبين لمواجهة العدم الذي يحيق بهم! فكم أنتِ حقيقية، فما أنتِ إلّا شعلة في طريق البدء في التفكير في البحث عن الحقّ!

ميلانكوليا…

يا مَن تعرّينا من كل الأقنعة التي نلبسها لكي نتجمّل في عيون الناس.

يا أيّتها الجميلة المحاربة شياطين التفاؤل الخادعة.

يا سلسلةً من الذهب تكبح جماحنا في طريق الموت والخديعة.

أنتِ التي تصفعيننا لكي نستيقظ.
أنتِ التي تثيرين فينا عطش البحث عن الإله الحقيقي.
أنتِ التي تجعليننا لا نرضى بتفاهات الأجوبة الجاهزة.
أنتِ رفيقة العظماء.
أنتِ وأختك فيلوصوفيا.
يا أيها التوأمان المولودان من اللوغوس السرمدي.
يا صبيّتين لا ترضيان الالتصاق إلا بالشجعان والمجانين.

كيف سأمنع نفسي عنكِ بعدما تذوّقتُ حلاوة العيش معكِ؟!

كيف سأغادر منزلكِ وأنا أرى أبيكِ جالساً بين كتبهِ الكثيرة التي لا تنتهي؟!

ومن يستطيع الوصول إليه إلا بعد أن يمرّ بكما يا أيّتها الجميلتان المغريتان؟!

عمّان

5- 6 نيسان 2012

مواضيع مرتبطة:

فيلوصوفيا