حماقة وردة

بقلم فادي أبو ديب

رأته وهو يتمشّى وحيداً في المرج الواسع، شارد الذِّهن، مطرق الرّأس. يجلس  كل يوم تحت شجرة صفصافٍ وارفة، قريبة منها، وهو ينظر للغروب البعيد، وكأنّه ينتظر زائراً سيأتي ليأخذ بيده إلى عالمٍ سحريٍّ بعيد فينقذه مما هو فيه.

رأته…اعتادت على وجوده…امتلأت شوقاً له وصارت تنتظر كلّ هبّة ريحٍ ناعمة لتميل نحوه علّه يتنشّق عطرها اليانع، فقد كانت ما تزال وليدة أيّامٍ قليلة، ولم ترّ غيره في هذا المرج الفسيح.

تنسّم عطرها بسعادة فالتفت بتؤدّة وكأنها ايقظته من حلم اليقظة الطويل الذي انغمس فيه فنسي ما حوله من أصناف المخلوقات. نظر إليها بحنان، ثم ركع على الأرض ومال نحوها، مقترباً منها وهو يتعجّب من لونها الأبيض الناصع الذي تتخلّله شعيرات وردية اللون. اقترب منها فتوهّجت شرايينها الوردية الصغيرة، وابتدأت خيوط اللون الأحمر القاني يسطع في تلك البتلات الثلجية البياض التي لامسها بأصابعه بخفّة تكاد تكون غير محسوسة، قبل أن يعزم على المضيّ ليستكمل شروده السابق.

سألته بحياء لاهث الأنفاس:

– هل قصدتَ أن تلامسني؟

أجابها وهو يبتسم من خجلها الواضح:

نعم، فقد فتنتني بعطركِ الأخّاذ يا حلوة رغم أنّك حديثة التفتُّح. يبدو أنّك وردةٌ نادرة، حيث أنّني لم أصادف مثلكِ خلال تطوافي في المروج القريبة والبعيدة.

تورّدت بتلاتها وازدادت احمراراً من كلماته، فهي لم تعتد أن تثير انتباه أيّ أحدٍ من المارّة القليلين أصلاً في ذلك المكان القَصيّ. ارتبكت وسألته بعفوية  مبتدئ:

– ما اسمك؟

– غدير. اسمي غدير المروج.

قالها وانصرف لتأمّله الذي يكاد لا ينتهي.

كلّ يومٍ أصبح موعداً للقاء غدير والوردة الصغيرة. يجلسان فيتحدّثان عن أحلامهما.

كانت طفلةً، لا تعرف شيئاً من العالم الذي فتحت عيونها عليه منذ أيامٍ قليلة. سمعت بالأمس رجلين فظّين وهما واقفان في مكانٍ غير بعيدٍ منها، يتحدّثان عن  جارتها زهرة النرجس الصفراء. أحدهما كان يحمل مجموعةً كبيرة من الأزهار والورود، وكان يرغب في أن يقطفها ليأخذها لعيد مولد زوجته.  فردّ عليه الآخر موافقاً ومتحدِّثاً باستخفاف عن حبّ زوجته لتجميع كلّ أنواع الورود لإغاظة جاراتها المتعجرفات. ضحك الرّجل الأول وانحنى قاطفاً الزهرة الصفراء بعنف لا مبالٍ، معتادٍ على الفتك بكل ما تصل إليه يده.

كانت تحلم باليوم الذي سيأتي أحدٌ ما لينزعها من هذا المكان الموحش البعيد، فقد رغبت في أن تعيش في حديقة غنّاء فيها كلّ أنواع الأزهار والورود والملوَّنة التي تختلط عطورها في مزيجٍ ساحر.

” أريد أن أعيش للأبد في تلك الحديقة يا غدير”، قالت الوردة بلهجةٍ حالمة يشوبها الحزن.

نظر غدير إليها بعطفٍ ثم أجاب وهو يهود لينظر إلى الأفق:

 – لا يوجد مكانٌ نعيش فيه للأبد يا وردتي. لم يستطع بنو البشر حتى اليوم أن يزرعوا حديقةً تعيش فيها الزهور للأبد.

– ولكن بعض الناس يأتون أحياناً برفقة نسائهم وأطفالهم ليختاروا وروداً كي يزرعوها في حدائقهم الرَّحبة الخلّابة.

– لا تغترّي بما ترين يا حالمة! كلّ هذه الأزهار تقضي مجرَّد بضعة أيامٍ في بيوتهم الفخمة، فإمّا أن تموت على طاولاتهم الخشبية الفاخرة، أو تذبل من الإهمال في حدائقهم المكتظة بمثيلاتها، أو تنتهي بين أيدي أطفالٍ مدلَّلين لعوبين.

لمسها بحنان وأحاطها بكفّه الدافئ، قتورّدت مجدَّداً، ثم همس لها:

– سآخذك معي إلى المحيط العظيم…

ثم أضاف بصوتٍ أكثر خفوتاً:

– هناك سنعيش للأبد!

اشتدّ احمرار البتلات البيضاء الناصعة، فهمست له متسائلةً بجَذَل:

– وكيف يكون هذا؟

– عندما قدوم الربيع سيأتي أخي “ثلج” من مغتَرَبه البعيد في أعالي تلك الجبال، وسيصطحبني معه في رحلته نحو المحيط.

انحسر الاحمرار وامتقع لون الصغيرة وتساءلت بخوف:

– وكيف سأذهب معك؟

– عندما يهبّ الرّيح البارد في أوائل الربيع تجاوبي معه وتناثري فيّ، ليأتي أخي ويأخذنا معاً. هي لحظاتٌ ونبدأ رحلتنا الأبدية. ستخسرين شكلك وقوامك ولكن روحك ستخلُد لأبد. في ذلك المحيط لا مكان للذبول والجفاف. في وسطه جزرٌ كثيرة، فيها كلّ أنواع الزهور والورود التي لم تخطر على بالكِ يوماً. كلّ جزءٍ منكِ سينتثر في بقعةٍ من تلك الجزر لتصبح روحك حالّة في كلّ مكانٍ هناك فتملكين العالم. كلّ الطيور هناك ستصبح رفيقةً لك، وستنظرين الشمس من عشرات الأماكن. وفي الليل ستراقبين ألف نجمة، وتصغين إلى جماهير من عرائس البحر المغنِّيات.

– لا، أنا متأكّدة من أنّني سأكون جدّ سعيدة في إحدى تلك المنازل هنا أو هناك. النرجس الصفراء ذهبت وقبلها البنفسجة هناك، والأقحوانات الصفراوات يتحدّثن طوال الوقت عن أختهنّ التي ذهبت إلى إحدى تلك  الجِنان الفخمة، وينتظرن بفارغ الصبر دورهنّ.

– صدّقيني، يا وردة، أنّ كل ما سمعتِه أو رأته أخواتكِ  لا يُقارَن بما وعدتكِ به. سآخذكِ معي إلى هناك. وكلّ قطرةٍ من جسدي ستنحلّ في المحيط العظيم فأبقى معكِ وحولكِ للأبد. أجزاؤك ستنغرس في كلّ مكان من جزر المحيط وأنا سأكون ساكناً في كلّ أمواجه ولججه. هناك لا ذبول ولا موت ولا إهمال، لأنّ القوة الخالقة المحيية كفيلةٌ بحفظنا معاً في تناغمٍ أبدي.

أنتِ تحلمين بما تسمعين لأنّك لم تسمعي بأفضل من هذا، وقلبكِ وقلوب كل من حولكِ لم تشعر بأدفأ مما تعرف.

صمتت الوردة، وكأنّها أنهت النقاش وفتُر اللون الوردي حتى كاد يختفي، أمّا غدير فانصرف لانتظاره الطويل.

كلّ يوم كان غدير يعود إلى مجلسه. وكان يلقي السلام على الوردة البيضاء التي أخذت تكبر وتكبر ناصعة البياض فاتنة القوام. إلا أنّ شرايينها الوردية بدأت تخفت في طريقها للزوال.

صمت غدير وراكم حزناً فوق حزن، فلم يعد من بدٍّ من أن ينتظر وحيداً أخاه “ثلج”؛ فبدونه لا يمكن له أن يصل للمحيط وينال الخلود. ولكن كم كان يتمنّى أن يصطحب معه تلك الطفلة التي كبُرت وانتفخت بجمالها الذي منحتها إيّاه الطبيعة. كان حزيناً لأنّه لم يعد يرى الأحمر القاني وهو يتسرّب مع لمساته إلى كلّ خليّةٍ من خلايا بتلاتها الفتيّة. ولكن كان عليه أن يصمت! فهي التي يجب أن تتناثر إن أرادت الخلود.

في صباح يومٍ ماطرٍ، قَدِم غدير إلى مكانه المعتاد تحت شجرة الصفصاف وهو يرفل بأثواب الفرح والاندفاع والجماسة؛ فقد أحسّ بعطر “ثلج” قادماً من بعيد. نظر إلى مكان الوردة، وكان قد عزم على الدّوس على مشاعره وإعطاء صديقته الفتيّة فرصةً أخرى، فتسمّر في مكانه ونزلت من عينه دمعة. كانت الوردة قد غادرت، وبقي عنقها مغروساً في مكانه، في حين تناثرت بضعة بتلاتٍ هنا وهناك. كان يبدو أنّ رفيقته الحالمة كانت ضحيّة يد طفلٍ لعوب أو رجلٍ فظّ انتزعها بعنفٍ أفقدها أجزاء من جسدها وروحها.

أحسّ غدير بطعنةٍ في روحه، ولكنّه التفت إلى الوراء وعاد إلى مكانه ليجلس فيه كما كان دائماً بصمتٍ وهدوء، بانتظار الربيع وثلج ورحلته القادمة نحو الأبدي.