فريسةٌ على أبواب السماء

بقلم فادي أبو ديب


 

كانت هناك تقف على شاطئ المحيط. فكّرت كثيراً في أنّ هذه هي المرّة الأولى التي تشعر بأنّ روحها قد وجدت مستقرّها بين يديّ فارس أحلامها.

 كان لديها الكثير لتفعله في الوسط الذي تعيش فيه؛ فهي الآن تكاد تنهي بتفوّق سنتها الأخيرة من دراسة الاقتصاد. ومسيرتها العِلمية حتى الآن تبشِّر بأنّها ستكون في أرقى المناصب وأرفعها مستقبَلاً. كما أنّ العديد من شباب مدينتها من ذوي الجاه والغِنى والنفوذ قد تقدّموا لخطبتها، وهم يرون فيها فرصة عظيمة كشريكة حياةٍ ملائمة لحياة عملٍ ناجحة. كل تلك الصفحات المضيئة الواعدة في كتاب المستقبل كانت تثير في داخلها شعوراً باللِّذّة، ولكن هذا الشعور كان كشعور المنغمس في المحرَّمات رغم أنها كانت تعيش حياةً طبيعية كغيرها من الفتيات، وتحلم بأحلام النجاح ورَغَد الحياة كما تفعل نظيراتها.

كان هناك في داخلها باعثٌ يدعوها إلى الانسحاب وترك كلّ شيءٍ خلفها. كان السؤال الدائم المستقرّ في بالها يطفو على سطح وعيها بعنفٍ من حين لآخر وهو يطالب بالإجابة بإلحاح طفلٍ مشاغب: “وما الهدف من كل ما أفعل في نهاية المطاف؟”. كان هذا التساؤل يغوص ويكاد يختفي في غمرة انشغالها ونجاحاتها، إلا انّه يعود ليظهر ففي ساعات الوحدة والصّفاء والتأمّل التي لم تكن تحرم نفسها منها مهما كانت الظُّروف.

دخوله إلى حياتها كان بمثابة لحنٍ ناعمٍ أيقظها من تخدير الإيقاع الحياتي المنتظَم والرتيب، والذي يبدو لها أحياناً و كأنّ قوّة شرّيرةً قد صممته لتنويم البشر مغناطيسياً! فيه شيٌ غريب؛ في سلوكه، في جلوسه، في الأحاديث التي كان يخوض فيها، بل يغرق فيها لدرجةٍ جعلتها أحياناً تشكّ في عقله. رغم هذا، كانت تنجذب إليه وكأنّ قوّةً فوق طبيعية تشدّها إليه. كانت تستغرب معظم أحاديثه ومفاهيمه ونظرته للأمور على اختلافها، ولكنها في ذات الوقت تجد نفسها، حين تجالسه، غارقةً في الإصغاء إليه وكأنّها انتقلت إلى عالمٍ آخر؛ عالمٍ هو في الحقيقة مزيجٌ من العوالم، حيث يعيش فيه الإنسان مع الإنسان والشَّجَر والأرض والقمر. بين ثنايا كلماته تشعر بأنّ صوتاً خفيّاً يتسلَّل ليخاطب شيئاً قد علاه الغبار في داخلها. لقد أشعل في قلبها وعقلها صراعاً شرساً بحماسته للبساطة ولا مبالاته وهدوئه تجاه الكثير مما يشغل بالها وبال أفراد جيلهما. كانت ترى أنّه يعرف الكثير ويهتمّ بالكثير ولا يبالي تجاه الكثير أيضاً؛ كانت ترى فيه شيخاً حكيماً وصبيّاً مغرماً باللَّعِب. تختلف معه كثيراً وتجادله طويلاً، ولكنها لا تستطيع أن تنكر أنها أدمنت عليه. والأخطر هو أنّها بدأت تكتشف أنها تحسده! نعم، تحسده لأجل كل ما هو عليه؛ لأنه لا يسعى وراء ما تسعى هي، ولأن ما تشتهي تحقيقه كما غيرها من الناس لا يعني له شيئاً. ما تسعى إلى تحقيقه من كرامة الحياة في مجتمعها، قد قطع فيه هو أشواطاً بدون كلّ ما فعلته هي وتحلم بأن تفعله. كانت تحسده رغم أنها لم تكن تستطيع أن ترى ما يرى هو. تحسّ في أعماقها بأنّه محقّ ولا تستطيع أن توافقه. تحبّه ولا تريده. كان فارس أحلامها والطيف الذي يعذّبها. كان وسادتها الشائكة، وغطاءها الدافئ الذي يتركها عُرضةً للرياح الهوجاء من كلّ حدبٍ وصوب.

في بعض الليالي كانت تشتاق إليه وتقسم بأنها ستتبعه إلى أيّ مكانٍ يكون فيه. أما في غمرة انشغالها النهاريّ الناجح كانت تحسّ ذكراه كحلمٍ غريب، وكوخزة إبرةٍ تزعج واقعها وتُدخِل في شرايينها مزيج الخيميائي الساحر. وفي مرّاتٍ أخرى كانت تندفع لمجادلته:

– أنت تخالف كل الناس؟

– ولمَ لا أخالفهم؟

– طريقتك هذه سترميك على هامش الحياة!

– ومن هو الذي يملك الحياة أو يحدِّد ماهيتها وكيفية قضائها لكي يرميني خارجها؟! من هو المشرِّع الذي يجب أن أدين له بالطاعة؟ دعيني أسألكِ: لماذا تقومين بكلّ ما تقومين به؟

ارتبكت واضطربت فقد أعاد لها نفس السؤال الذي يقضّ مضجعها، ولكنها تحاملت على نفسها وأجابت:

– لكي أحقق الكرامة والسعادة في حياتي.

– لماذا تفترضين أنّك لا تملكين الكرامة أصلاً، وأنّك يجب أن تحققيها أو أنّ احداً يجب أن يمنحك إيّاها. أمّا السعادة فهي في داخلكِ. حدّدي ما هو كنزكِ وستجدينها. فإن كان كنزكِ في الداخل، فستعثرين عليها. وإن كان في الخارج، فستبقى تنساب من بين يديكِ كالرّمال الناعمة التي تضعينها في الغربال.

– أنت حقّاً متفلسف!

كان يضحك ويقول لها: وأنتِ حقّاً جميلة، وفي داخلك جمال كامنٌ أكثر براعةً، ولو أنّك لا تريدين أن تغامري وتصدّقيني!

كانت تصمت على مضض بعد كلّ جدالٍ عنيف؛ فهي لا تستطع أبداً أن تجيب على سؤالها المزعج، فكيف بأسئلته المعقَّدة والمتعدِّدة؟!

في مساء يومٍ كغيره من الأيّام، صدمها. “أحبّكِ”، قالها ببساطةٍ بعيدةٍ عن المقدِّمات، وكأنّه يصرِّح ببديهيةٍ يجب أن تكون معلومةً لها منذ زمنٍ بعيد. تسارعت خفقات قلبها، واهتزّت بداخلها روحها وهي تسمع هذه الكلمة السِّحرية للمرّة الأولى في حياتها. ارتبكت…لم تعرف بمَ تجيب، واكتفت بإبعاد خصلات شعرها النّازلة على جبينها ووجهها بيدٍ مرتجفة.

قالها، وسكت، وكأنّ شيئاً لم يكن. أطرق برأسه بضعة دقائق ثم التفت إليها وقال “سأسافر، وأريدكِ أن تكوني معي. أريدكِ أن تتأكّدي أنّ كلّ شيءٍ سيكون على مايرام.”

–       إلى أين؟  إلى أين ستسافر؟ وكيف سأذهب معك؟!

قبل أن تكمِل أسئلتها المتلاحقة كان قد نهض واقفاً وغذّ الخُطى منصرِفاً.

في الأسبوع التالي بدا جذلاً، ولمّا سألته قال لها “وجدتها!”. ثم شرع يحكي لها بفرحٍ طفوليّ عن مشروعه؛ فعشقه للزراعة ومهارته في إنجاز الأعمال في أراضي أصدقائه ومعارفه في الرّيف القريب، جعل أحد المهاجرين الرّيفيين من هواة الزراعة وتربية الخيول يسعد بدعوته للعمل عنده ومساعدته في العناية بمزرعته التي اشتراها مؤخَّراً، ووعده بأنّه سيؤّمن له بيتاً متواضعاً في أطراف مزرعةٍ أخرى قريبة يملكها عجوزٌ ثريٌّ متقاعد، يقضي أوقاته في اكتشاف الغابات والتِّلال المجاورة ونحت الصخور الرخامية التي كان يشتري منها واحدةً في كل شهر أو ما يزيد عليه قليلاً.

سفينة حبيبها تقلِع في أوّل الخريف القادم بعد بضعة أسابيع. نعم،  فكّرت أنّها ترغب في أن تكون معه. ستذهب معه…وستعيش حياةً ممتلئة…جنّة عدنٍ كما لم يرها أحد في بلادها الشقيّة حيث يأكل عشرات ملايين البشر بعضهم بعضاً لأجل كلّ شيء ولأجل اللاشيء.

كانت خطوة قرارٍ واحدة تلك التي تفصلها عن ابتداء حياةٍ أخرى تماماً. حياةٌ من الانطلاق في بلدٍ آخر بعيدٍ ومنعزلٍ عن ضجيج مجتمعها الذي لا يرحم، حيث يمكنها أن تعيش أخيراً في سعة الحقول، وحيث لن تخاف أن يعبث الضجيج وعُقَد المدينة بأولادها المستقبليين كما فعلوا بها.

 

كانت متعَبة من كلّ شيء. من نجاحها، من أعمالها، من سمعتها التي تصارع لتلميعها، ومن كلمات من يحيطون بها، مديحاً وذمّاً، إطراءاً وتحذيراً، نميمةً وحسداً، إعجاباً وغيرةً. أصبحت تضطّرب من كل الأضواء والإعلانات الطرقية، من أصوات المراقص المرتفعة، ومن الشتائم التي يستمرّ أولاد حيّها في توجيهها لبعضهم قبل وبعد مشاجراتهم التي يقضون نهارهم في افتعالها؛ من قريباتها اللائي تزوّجن وبِتن يفكِّرن بطريقة سخيفة ويتحدّثن بالترّهات الاجتماعية أو بطريقة العجائز اللواتي شارفت حيواتهنّ على الانتهاء. كانت تقضي أيّامها ترتجف من القلق الذي يأكلها في بيت عمّها الذي تولّى تربيتها بصرامة بعد وفاة والديها.

ولكنها تحسّ وكأنّ كلّ شيء الآن قد تغيّر بعد تعرّفها عليه. كان مختلفاً عن كل شبّان حيّها؛ ففي عينيه مسحةٌ غريبة تجمع بين الغموض والطيبة ، وفي قلبه محيطٌ من الحبّ الغريب الذي لا ينضب رغم غيمة الهمّ المكبوت التي تظهر أحياناً على وجهه فتجعله يبدو كمن يحمل همّ الدّنيا كلّها فوق كتفيه.

كانت الأيّام تمضي سريعاً ونهاية مسيرتها الدِّراسية قد أزفّت، وموعد السَّفر في الخريف يشارف على الحضور. خريف العام كان يبشِّر بولادة ربيع حياتها الخِصب. كان هذا الخريف سيشهد نقيضاً لكلّ صور الموت التي حمّلته إياها مخيّلة الأساطير. وما لها وكلّ أساطير الدُّنيا إن كان خريفها سيصير ربيعاً؟! إلا أن السؤال، هذا العفريت المزعج، قد عاد مجدَّداً بوطأةٍ أشدّ: “وما الهدف من كلّ ما أفعل في نهاية المطاف؟ هل سأكون محقّةً وأنا أفعل ما يخالف كلّ ما أراه من حولي؟ ربّما أندم لاحقاً وبإمكاني الآن تحقيق ما يعجز الآخرون على تحقيقه!”.

لم تكن ترى ما يراه…

لم تكن تسمع اللَّحن الذي يسمعه…

لم تكن تشعر بالملء الذي يغذّيه…

لم تكن تنظر إليه كما ينظر إليها، لا بل لم تكن تنظر إلى نفسها كما ينظر هو إليها!

كان يرى فيها ما عجزت هي عن رؤيته. اكتشف ذلك الشيء الذي علاه الغبار، وسبر خفاياه، وأحبّه حبّاً لا يوصف ولا يمكن التعبير عنه بالكلمات. لم يكن من الممكن أن تفهمه إلّا إن رأت ما يرى وسمعت ما يسمع وشعرت بما يشعر.

أزفّ الخريف، وكانت هي حديث المدينة بنجاحها الباهر الذي تُحسَد عليه. غمرة الانشغال طمت فوق رأسها وخنقت قلبها. وتهافت أصحاب الجاه والنفوذ يطلبونها للزواج، وقدّم لها الكثير من أصحاب الأعمال فرص عملٍ واعدة بالكثير والثمين. فكّرت بأنّها لم تكن مستعجلةً للاختيار ولا مضطرّةً له أصلاً؛ فعمّها بعلاقاته الواسعة سيحسن لها الاختيار في النهاية، والفرص أمامها كثيرة وكبيرة، لا يحلم بها الكثيرون. فلتتروّى في التخطيط لما هو قادم!

أما الأسئلة الكبرى، فهنالك كثير من الوقت لتتفكّر بها وتجد لها إجاباتٍ مقنعة!

 

أمّا هو فعلم وصمت. حزن لأنّها لم تقدِّر ما في داخلها حقّ التقدير. ولكن ما السبيل لجعلها تعرف؟! حضرت السفينة وذهبت. لم يتغيّر شيءٌ في المدينة المكتظّة التي لم تلاحظ غيابه، وأنّى لها أن تلاحظ وهي مشغولةٌ بقتل أبنائها؟! كالطيف اختفى، وكأنّه كان روحاً تستعجل الرّحيل من موطن تلك الأرواح التعيسة المشوَّشة.

ذهب معها وهو غير نادمٍ على شيء، ولكنه…لم يمنع دموعه من المضيّ نحو مياه المحيط. لقد خسرها. خسرها مرّتين؛ مرّةً عندما تركته خلفها، ومرّةً أخرى حين رآها تنغمس في معمعة الأرواح التعيسة.