جزيء الله

بقلم فادي أبو ديب

“حدس” لـِ بِنتي هانسِن

يتحدّث نوفاليس في رائعته “هاينريتش فون أوفتردينغن” التي سبقه الموت فأخذه قبل إكمالها، عن الشعر بوصفه كياناً لا يمكن الحديث إلا عن وسائله ووسائطه الأرضية التي يمكن رؤيتها والتعامل معها، من خلال القصائد القاصرة عن التعبير عن حقيقة هذه الروح الكونية الملهمة العظيمة، فالشِّعر عنده، كما هو عند غيره من الرومانسيين الألمان، هو أكبر بما لا يُقاس من مجرّد ظاهرة يُعبَّر عنها بالقصائد أو الكلمات المنثورة. هو الحب الكوني بذاته، هو الإلهام والوحي الموجود منذ الأزل، وكأنّه تجلٍّ سرمديّ من تجلّيات الخالق، فهو الروح اللطيفة القريبة منا، اللصيقة بنا، لذلك “فأفضل الشِّعر هو الذي يستقرّ قريباً جداً منّا”، لأنه الخارج تلقائياً من هذا التفاعل بين الشاعر الحقيقي، التلقائي، وروح الشِّعر الذي لا يُدرَك. وبالتالي فإنّ الفنّ الشِّعري ليس إلا تعبيراً شديد المحدودية عن ذلك الكيان الكوني المجهول.

ولأن “الحب نفسه ليس إلا شِعر الطبيعة الأكثر سموّاً”، فكان الحب أيضاً لا يُدرَك، لأنه اللغة الخفية التي تنطقها الطبيعة في كل مخلوقاتها، ولأنه الغامض المجهول الذي ينبض في دواخلنا ولا يخرج إلا مشوَّهاً مريضاً في معظم الحالات والظواهر التي نعيشها.

الحب حقّاً ليس من هذا العالم، وهنالك تشويش مَهول على هذا الكيان النابض الخفيّ الذي هو جوهر الله الخالق والجوهر الذي صُنِعنا منه، والذي يئن الآن في دواخلنا ولا يجد ما يشفيه في هذا العالم.

لماذا نجد دائماً، نحن البشر، صوراً مزيّفة عن الحب؟ ولماذا لا تكفّ فلسفاتنا وأدياننا وفنوننا وآدابنا عن ادّعاء أنّها تقدّم للبشر هذا الأكسير الغامض الذي يتوق إليه كل إنسان؟

نعيش هذا الوهم، لأننا نرتعب من مجرّد فكرة عدم تلقائية وجود هذا الروح الخفّاق في عالمنا المريض والبائس والمشوَّش. إنه خوفنا من العدم الذي نعيشه في أكثر لحظات حياتنا.

الحبّ الذي نتكلّم عنه في عالمنا حبّ ضعيف، يدعو للرثاء، ومؤلم، ومخضَّب بالخوف من الفقدان، وإذا كانت “المحبة الكاملة تطرح الخوف إلى خارج” كما تقول الرسالة اليوحنّاوية، فأين هو هذا الحب إذاً؟ لماذا يعيش هذا الشوق في دواخل كل البشر إلا أنّ معظمهم يفشلون في التعبير عنه وإعطائه؟ لماذا لا يستطيع سوى بعض “المجانين” والذين مرّوا بخبرات عظيمة أن يمنحوا أنواعاً أسمى من هذه المشاعر المنبثقة من قناعات غريبة يصنّفها العالم في خانة الرومانسيات التي ينظر إليها باستخفاف، أو بنظرة إشفاق؟
حبّنا يقف على أسسٍ واهية ومخلخلة، وأيّ ريح خوفٍ أو شكٍّ أو سوء تفاهم تهدده بالتشويش والضياع والموت. والحب غير المشروط، الذي لا ينتظر مقابلاً من الآخر، الذي يؤمن صاحبه بأنّه هو الطريق إلى تحوّله إلى إنسانٍ أسمى وفي طريق التألّه الصُّوَري، هو ثورة لا  يقوم بها- أو لا ينالها- إلّا القلّة من القلّة؛ هي اختبارٌ فوطبيعي لا يحصل على لمحاتٍ متتابعة خاطفة منه سوى من فقد نظام العالم في قلبه كلّ مراكز نفوذه وتأثيره. فكل ما في العالم يعادي الحب في حوهره وسلوكه؛ المال، النظرة المادّية للإنسان، أنظمة العمل، الكيانات الدينية الجامدة، العِلم، الدوغمائيات الدينية. هذا قاسٍ جداً حين ننظر إليه. حالة ميؤوسٌ منها لمن يريد ان يدمج كل هذه الظواهر مع بعضها، فإما الحبّ أو هذه الرزمة من المظاهر التنظيمية التي في العالم.
ولكن ما علاقة هذا بهؤلاء؟
ما هو التناقض بين الحب وأنظمة العالم؟
الحب هو عطاءٌ لا يتقيّد بشيء، وتلك كلّها مليئة بالقيود والنواميس. قد تبدو المظاهر مختلفة في كلّ منها وأنّه ربما يمكن الحصول عليها كلّها معاً، ولكن لأنّ الجوهر مختلف، فالجمع بينها مستحيل. وكيف يمكن جمع العطاء اللامحدود مع التقييد اللامحدود ؟!
الحبّ هو ملكوت الله الذي لا يمكننا دخوله إلا عراة من كلّ شيء. العري في هذا الملكوت مقدَّس، لأنه عودة نحو براءة الجنين الذي يرتبط بحبل سرّي مع الروح الإلهية الذي يغذّيه بدون أن يطلب أو يفكّر. “لن تدخلوا ملكوت السماوات إن لم تعودوا كالأطفال”. لن ندخل ملكوت الحب إن لم نكن أطفالاً لا يطلبون إلا الحبّ، وليس في طموحهم إلا أن يحبّوا.

كل ما تكلّمتُ عنه حتى الآن هو ذاته لا يعدو عن كونه وصفاً قاصراً وضعيفاً، وتصوّراتٍ مشوّشة عن الحب.
لا تصدّقوا أن أيّ كلماتٍ في العالم يمكن أن تصف هذا الكيان اللامحدود!

موضوع ذو صلة:

لغة الألوهة المضطهدة