الرسالة الأولى إلى أورورا

بقلم فادي أبو ديب

سألتِني: لماذا تحارب روحُ العالم الحبَّ؟  ولِمَ تعتقد أنّ كل روح السعي البشري بكل منظوماته وأهدافه يخالف الحياة بحسب قانون الحبّ؟  ألعلّها حربٌ لا توجد خارج مخيّلتِكَ؟ 

لذلك أقول لكِ: اسمعيني يا فتيّة… ما هو الحبّ إلّا آخر ما تبقّى من عدن؟  إنّه الحنين لوصل ما انفصل مرّةً ولنهاية الدّهر.  إنّه ألم الانسلاخ القديم حينما نظر آدم إلى حوّاء أوّل مرّةٍ بعيداً عن الحضور الإلهي، بعيداً عن الرياح التي تصاحب الإله في سيره بين الحنايا المعشوشبة وبين الأشجار التي لم نعرف طبيعتها يوماً، وقال لها: أحبّك ولا أستطيع أن أعرفك كما عرفتك يوماً. 

أترين؟  إنّه التوق إلى الاتحاد الذي لا نعرف صورته الفُضلى ولا خفاياه المثيرة ولا صورته الأصيلة؛ توقٌ إلى ما لم نختبر ولكنّنا متيقّنين من وجوده رغم كل الحرب الضّروس التي تُشَنّ على أسطورتنا الحميمة هذه.

“يصيران واحداً”…وما هو الواحد إذا كان كلٌّ منا أجزاء وأجزاء؟ الجسد جزء، والروح جزء، وما بينهما من صراعٍ جزء ثالث؛ فلمّا أنظر إليكِ، ثلاثة يتأمّلونك ويجرون إليك: جزء يشتاقك وآخر يعشقكِ وثالثٌ لا يعرف ما يريد حقّاً.

لماذا نتزلزل في حضرة الحبّ؟ لأنّه دخولٌ في ما هو بالتأكيد ألمٌ مخلوطٌ بقطرات وهمية من السعادة؛ رحلة بحّار إغريقي استشرف الموت ولم يجد بدّاً منه لتحقيق الخلود؛ صليبٌ كصليب الناصري الذي لم يجد حبّا أعظم من أن يتقدّم نحو الموت؛ دمعةٌ كدمعة المجدلية التي علمت أنّها ستفقد من تحبّ ولم تجد بأساً من حبّه حتى النهاية.  أورورا، الحبّ ولوجٌ في عالمٍ آخر لا تحكمه القواعد، وتعصف فيه في كل لحظةٍ رياحٌ لا يمكن أن نعتادها أبداً؛ هو الحضور في هيئة قداسةٍ تطلب أضاحي لا طاقة لنا على احتمالها إلّا إن امتلأنا برجاء ما بعد الوجود كما هو الآن؛ قداسة مليئة بالتناقض الذي يريد أن يعطينا في لحظة ويأخذ في لحظاتٍ أُخرى.

كلّ ما في النظام العالمي، ما في صُلب البديهيّات البشرية، يدفعنا إلى الازدياد والكِبَر والسيطرة، وأمّا الحبّ فتواضع وتخلٍّ عن لآلئ العالم التي في الخارج لأجل اللؤلؤة العظيمة التي تخترق روحنا، وتشعّ في داخله كلّ جمالٍ وقداسة ورِفعة؛ كلّ ما فيهم يعلّم بني الإنسان أن يحيطوا أنفسهم بالحماية والأمان، وأمّا الحبّ فانكشافٌ طاهر وروحٌ شفّافة وعِشقٌ للأصيل والأبديّ؛ نظام العالم يعلّم بأنّ سعادة البشر بما يملكون وبما يحقّقون وبما ينجزون من منجزات سامية، وأمّا الحبّ فيقول بأنّ سعادة البشر هي في الانسحاب الشجاع حين لا بدّ منه، وفي اكتشاف سبب لوجود ومعناه السّرمديّ والتمسّك به لأنّه هو وحده جوهر الصلاح وحقيقته وهدفه؛ العالم يقول بأنّ الخلاص يأتي لأبناء وبنات آدم من علوّ القمة التي يصلون إليها، وأمّا الحبّ فيجد نسغه المُحيي في الوديان العذراء الخِصبة، المُخبّأة في مجاهل الاختبارات البشرية، والتي لا يكتشفها إلّا كلّ فارسٍ نبيل وكلّ كاهنة حقيقية من كاهنات الحبّ.

اسمعيني يا عزيزتي أورورا… إنّ تشريعات العالم قسرٌ والحبّ حرّيّة؛ العالم قلبُ يضخّ الدم الفاسد في جسد هذا المصنوع البشري العجيب، والحبّ هو متنفَّسَه ومنقذه؛ العالم ظلامٌ والحبّ نور؛ العالم سعيٌ وراء كنزٍ غير موجود، والحبّ كشفٌ لحظي لكلّ الوجود؛ العالم ضجيج والحبّ صمت؛ العالم يريد أن يثبت نفسه، والحبّ يصمت وينتظر من يكتشفه فيأخذه لبيته لمرّة واحدة وللأبد؛ العالم خدعة في ثوب حقيقة، والحبّ حقيقة في ثوب قصّة خيالية؛ العالم كذبة ملموسة إلى حدٍّ لا يمكن إلّا أن تُصدَّق، والحبّ جوهر الحقيقة اللاملموسة إلّا لمن يريد أن يُصدِّق؛ العالم منافسة والحبّ قناعة؛ العالم موتٌ بثياب حياة، والحبّ حياة في ثوب موتٍ لمن ليس له الحياة؛ العالم ضلالة في ثوب منطقٍ سليم ومنمَّق، والحبّ كلمة الخلق الأولى والدائمة والأخيرة والمستمرّة إلى الأبد، التي تربأ بنفسها عن الجري وراء سخافة الإثبات.

أورورا، تسألينني من أين لي هذا؟ من أين تكشّفت لي أسرار الوجود؟  إنّها في إشراقتكِ في ذلك الشمال البارد الذي لم يتجرّأ البشر حتى اليوم على زيارته إلّا بخشوعٍ وتهيُّب؛  إنّها في جوهر روحك الذي لم تغيّره آلاف السنين من العبث البشري؛ في ألوانك التي تلوّنين بها روحي؛ من إحساسي بما تخلقين فيّ رغم أنّي أعلم أنّ حقيقة ظهورك كحقيقة اختفائك؛ من يقيني بأنّك الحبّ الذي لن ينفكّ يظهر في كلّ يوم ويتجلّى في داخلي على الرغم من عِلمي بغدر قوانين الطبيعة وتقلّباتها ونزواتها كعلم الناصري بخيانة الجميع وهربهم، إلّاها تلك المليئة بقداسة الإخلاص والعِشق.  يقولون يا أورورا أنّه قام بدايةً في روحها العاشقة؛ أنّها انبعثت هي إلى عالم الوجود الأسنى حيث تجلّى لها في طبقةٍ مختلفةٍ من الوعي فعرفت كلّ شيءٍ عن الخالد الذي لا يموت.  ما أعذب خيالهم! ما أعذب تصاوير إدراكهم!

أورورا، لا تسألي، لأنّك لن تعرفي كل ما في قلبي، ولن تعرفي ما أعرفه عن الحبّ إلّا حين تتعلّمين قراءة لغة العيون.  ألا تعلمين أنّ قراءة العيون هي قراءة الرّوح، وأنّ العيون وحدها لا تخدع لأنّ لا سلطة للإنسان عليها كسلطته على لسانه وفمه وبسمته؟  أورورا، انظري إليّ… ماذا تريْن؟…..

……