الرسالة الثانية إلى أورورا

بقلم فادي أبو ديب

أورورا، أنتِ تتساءلين لماذا يغرق بعضنا سريعاً في الحبّ عندما يجدونه، في حين أنّ آخرين كُثُر لا يؤمنون بهذا التحوّل اللّحظي العجيب، لذلك أقول لكِ:  إنّ النفس البريئة كالمياه النقية النازلة من بين حنايا الجبال العذراء، ليست معكَّرة ولا تعرف حشرات المستنقعات إليها طريقاً، بل إنّها تجرف كلّ قذارة في طريقها. في تلك الجبال لا تعرف الطبيعة ركوداً بل هي دوماً متجدِّدة، عاصفة، باردة وموحية.  هكذا هي النفس الطاهرة تكون خالية من الأمراض المستعصية، جليلة الفِكر، مندفعة نحو كلّ جمال بحماسة وحبّ عاشق لا يوقفه شيء.  هذه النّفوس يا حبيبتي لا تعرف المكر ولا الخداع، لا تعرف الافتراضات المسبَقة لعالمٍ مريض؛ هي سريعة الانجذاب لما يماثلها لأنّه جزء من عالمها الذي لم يكتمل بعد، وأنّى له أن يكتمل من دون ذلك الجزء الذي يتموّج على ذات إيقاعه، ويكمِّل أجزاء رسمه الذي لا يعرفه إلّا من لديه القطعة الناقصة؟

أورورا الحبيبة، براءتُكِ الوادعة لا تفهم العالم لأنّها ليست منه، لأنّ الكلمة الأزلية قد انسكبت فيها بغزارة فأغدقت عليكِ لمحاتٍ من نور عُلويّ لا يمكن أن يختلط بأضواء العالم المزيَّفة.  هذا النور السنيّ لا يمكن إلّا أن يكشف لكِ معانٍ أخرى ومختلفة جذريّاً للحبّ والواقع والوجود والأحلام ومعنى التواصل البشري الإلهي؛ ذلك التواصل الذي كاد أن يُفقَد في عالمنا، لا بل فُقِد تماماً في أماكن كثيرة وأزمنة أكثر.

الملموس يا أورورا وهم، وهم من حيث أنّه لا يعطي كامل الصورة-لا بل أنّه خادعٌ أحياناً كثيرة- أو لا يكشف إلّا أجزاء من جمالياتها. الملموس  قد يصير اعتداءً على الحقيقة وماهيتها، لأنّ كُنه الحقيقة الآتي من خارج هذا العالم يكمن جذره الأصيل ومفسِّره في أرواحنا التي تتجوّل في عالمٍ لا نراه.  كلّ ما بُني في هذا العالم قد بُني على الملموس فقط يا أوروا؛ كلّ القواعد والأنظمة والبديهيّات والمسلَّمات.  كلّ هذه لا يمكن أن تتواءم مع معنى الحبّ وجوهره لأنّ الحُبّ عُلويّ وأمّا هي فسُفليّة، هي قد تكون جميلة ومريحة ولكنّها تبقى مصنوعة، قابلة للتَلَف والاضمحلال، أمّا هو فخالدٌ أبديّ لا يتغيّر، لأنّه جوهر الخالق والكلمة والرّوح؛ جوهر الإله الذي لا يتغيّر بل يستمرّ في إشعاع جوهر الحبّ من الأزل إلى الأبد.

 تخيّلي في أيّ عالمٍ نعيش، واعرفي ماهية الحقيقة البائسة التي يتحدّث عنها! واقعه ملموس وواقعنا ملموس وخيال، والخيال عطيّة من الإله لمن عرف الإله؛ واقعه  أرقام وواقعنا بصيرة لا تنتمي لهذا العالم؛ واقعه منطق يقرِّره السطحيّون وواقعنا حلمٌ يحقّقه الشجعان والعارفون؛ واقعه أنّ العين ترى فتعرف وواقعنا أنّ الروح تسمو فتعرف؛ واقعه بأنّ المسافات تفصل وواقعنا يقول بأنّ الأميال تعجز عن تكبيل أرواحنا التي تشعر وتحسّ وتحبّ وتعرف بعضها.

أورورا، نحن نصنع العالم الجديد.  قواعدنا هي التي تسود في عالمنا لأنّها قواعد سرمديّة.  لا يخدعنَّكِ أحد؛ ففي نفس الحيّز المكانيّ في هذه الأرض وجوديْن لا ينتميان لبعضهما.  في هذا المجال الملموس هنالك افتراق لا يمكن مصالحة طرفيْه، لأنّه صِدعٌ لا يلتئم بين عالمين؛ عالم الحبّ وعالم الجمود، عالم التصديق بأنّ البراءة تلقائية وموجودة ولو في أبسط صورها، وعالمٌ يقول بأنّ الحبّ غير موجود أو مقنَّن بأشكالٍ محدَّدة.  هل تعلمين أنّ الحبّ والبراءة هما توأمان لا ينفصلان؟ هذا ليس شِعراً بل هو حقيقة خَبِرها ويختبرها قليلون منذ آلاف السنين، ومقاييسها الحدس والرّوح والحقّ الذي يُغدَق بكَرَمٍ من السماويّات في انتظار من يفتح ذراعيه وقلبه وفِكره ويقول “ها أنذا يا أيّها الحقّ، فامتلكني!”

أورورا، لا تصدّقي يوماً بأن الحبّ يزول، فهذه من أكاذيب الوجود العالمي البائس والمريض؛ لا تصدّقي أنّ الحبّ يقوم على الملموس، فالله لم يره أحد!  لا تصدّقي بأنّه يحقّ للعالم أن ينظّر عن المحبّة وهو لا يعرف الإله الذي أحبّ فتجسّد، وأحبّ فحلّ في القلوب؛ لا تصدّقي أنّ الحبّ يعوزه المنطق، فهذا يهين أرواح من ماتوا لأجل مَن أو ما أحبّوا؛ لا تصدّقي أنّ الخيانة هي مما قد يشوب الحب بشكلٍ طبيعي، “فالله نورٌ وليس فيه ظلمة البتّة”، والحبّ لا يقبل إلّا أن يكون صافياً كالماء الذي ينبع من حنايا الجبال العذراء.تعالي ننتمي إلى الوجود الآخر ولو كنّا ما زلنا في ذات الحيّز المكاني والزّماني المحدود.  نحنا هنا للحيظات فلم لا نسعد بها؟ لمَ لا نكون من مواطني المملكة المنتصرة، ملكوت المحبّة، ملكوت السماوات التي لا يُدنى منها وهي بيينا في آنٍ معاً؟

موضوع متعلِّق:

الرسالة الأولى إلى أورورا