الرسالة الثالثة إلى أورورا

بقلم فادي أبو ديب

كم ساءلتُ الصفصافات الغافيات عنكِ، وكم شكوتُ لبنات الصنوبر القديم الأيام طيفَكِ الذي يبدئُني السلام ولا يمنحني لحظة تجسُّدٍ يتيمة.
الطبيعيّون من بني البشر يا أورورا لا يفهمون ما هي البراءة الأولى، وأرواحهم لا تشتمّ ما نتنفّسُه نحن وتلك الشجرات، النبيّات الصامتات.  قد تركتُ لكِ إلى جانبي مكاناً تحتها؛ أخبرتها بأنّ تُعلن في مملكة الطبيعة بأنّ لكِ مكاناً إلى جانبي حيثما حللتُ.  لم أكن بحاجةٍ يوماً للجاجةٍ كي أُفهِم تلك المخلوقات الصامدة حبّي وشَغَفي؛ فهي تفهمني بمجرّد أن أهمس لها باسمكِ مصلِّيّاً.  بين حبّي واسمكِ والطبيعة علاقةٌ سرّيّة لا يدركها العالم لأنّه لا يعرف الحبّ، فهو عكس طبيعته، وكلّ مسار صيرورته وتحوّله وتطوّره منافٍ له بالضرورة والحتميّة الأكيدة.  الحبّ يا أورورا خفقة قلبٍ دافئة لا تتحوّل ولا تتغيّر، والعالم يعشق المتغيّرات ويطلبها، لا بل إنّه يقتل كلّ أصيلٍ ثابت.

هنالك غرابة في البشر؛ سقوطٌ مريع، انجراف تلقائيّ نحو مرض التغيّر، لذلك فالحبّ يقتل العالم لأنّه لا يتغيّر، لأنّه ثابت وأصيل منذ بدء الخليقة.  لا، الحبّ لا يُحيي العالم بل يُميته.  إنّه لا يُحيي إلّا من طلب الحياة، أو من كان غافلاً فاُيقِظ إلى عالمٍ آخر من النور والمعرفة التي لا تُعَلَّم.  الحبّ يا أورورا ابن الطبيعة، لذلك تريْن رغبة الهرب إلى الأكواخ الخشبية، التي تسكن مخيّلة الحالمين، سمة كلّ عاشقيْن حقيقيّيْن.، فالتمدّن لم يكن يوماً موافقاً للحبّ، ولن يكون يوماً متصالحاً معه، لأنّ التمدّن يعبد التغيّر، والحبّ كالفصول الأربعة: فيضانٌ فثورة فاستكانة ففيضان آخر، وهكذا دواليك يجري في دورة لا تنتهي إلا بالرّحيل إلى تلك الدنيا النورانية.

أورورا، صورتكِ تتجلّى على المقاعد الخشبية الفارغة في المقاهي المهجورة في أزقّة المدينة التي فرّغها الشتاء، فعادت مستكينةً صامتة كمروج الطبيعة وجبالها؛ فسكونكِ أنتِ صَخَبٌ طفوليّ، وصَخَبُكِ سكونٌ بريء لا يفهمه إلّا الحزانى!  ووجودكِ لا يمكن أن يتناغم إلّا مع كلّ ما هو ساكنُ، ينطق صمته بكلّ الإجلال للبراءة الأولى التي نراها نحن ولا يراها العالم.

 في هذا النسق الكوني الغريب نظام، ولكني لا أرى سوى العشوائيات إلّا في لحيظات قليلة.  وما الفائدة من وجوده إن كنت أفشل في رؤيته رغم أني أتضرّع في كل لحظة لكي أدركه؟!  أورورا، علينا أن نتوقف عن الإبصار بعيوننا لنرى بأرواحنا، فأنا كونٌ وإنتِ كونٌ!  تجاذبنا برفقٍ فخرج من رحِم هذه الفيزياء الروحيّة جنينٌ كرهه العالم منذ لحظاته الأولى.  ورغماً عمّا نرى من الفوضوية العَدَمية المرعبة نشأ بيننا نسقٌ شعوريّ روحيّ يحارب الفوضى، ويسعى ليكون على صورة النسق الأوّل الذي خرج من فم الآب.
 أنا لا أملك سوى خيالي وكلماتي، وأمّا الجسد فمقيّد إلى بؤس هذا العالم المنظور الذي ليس فيه قطرة خير إلا وكانت منحلّة في مزيج من الكراهية لكل ما هو ثابت.  ولعلّها ربما أوّل مرّة أعشق فيها الرّحيل بمقدار ما أحبّكِ، وكم أحبّكِ! فلا بقاء إلّا معكِ، أورورا، لأنّه في البدء كان الحبّ، وفي النهاية التي لن تأتي سيكون أيضاً موجوداً إلى الأبد.  الحب هو هدف كلّ شيء، وبدونه سأرحل، لأنّ لا هدف أسمى بعد، ولا ثقة  في مكانٍ لا يكون فيه الحبّ خالداً؛ ففي البدء كانت المخيِّلة، والمخيِّلة كانت عامرة بالحبّ، وكان الحبّ هو الذي مَلَكنا وأشعل فينا الحُلُم والرؤيا فأحببنا، وعندما بلغ حبُّنا قلب الآب أوجدنا في عالمه المخلوق معاً، فوُجِدنا.  أَوَلم تعلمي أنّنا كنّا في فِكره منذ الأزل؟!

موضوع متعلِّق:

الرسالة الأولى إلى أورورا

الرسالة الثانية إلى أورورا