الرسالة التاسعة إلى أورورا

بقلم فادي أبو ديب

cherry

دعيني لا أخفيكِ سِرّاً يا عزيزتي أورورا، فإنّي أحبّ أن أتخيَّل بأنّ فِكرة خلقِكِ قد نشأت في يوم خلق الله أزهار الكَرَز؛ فوداعة قلبكِ الحُلو تتناغم مع تلك الوريقات البيضاء المتورِّدة، وانفراجة شفتيكِ المبتسمتين لا تذكِّرني إلّا بهذا الانفجار الوردي الهائل لأزهار الكَرَز في تباشير الرّبيع.

تلكَ الأشجار العجائبية توحي بأنّها خُلِقت بِفعل قصيدة إلهية، وليس بكلمة “كُوني” فحسب. هنالك فنٌّ يثير الرّهبة في تلك البراعم الغضّة، في تلك الألوان الزاهية التي تميَّز تلك الأزهار وتصبغ كلّ حركةٍ من حركاتك، وكلّ همسةٍ تخرج من قلبِك الطفوليّ.

أورورا، دعيني ألقي في قلبكِ نفحةً من نور فتعلمين أنّه بتناغم قلبيْنا مع روحه ورؤيتنا لما يراه، أصبحنا متّحدين معه ومالكين لبذرة طبيعته الإلهية التي تتكلّم حبّاً، وتَلِد كوكباً صغيراً يتألّف من قلبي وقلبِكِ، يدور في مدار هذا الثالوث العظيم. وهكذا يكون ماثلاً حوله في كلّ حين، ومستنيراً منه في كلّ لحظة.

قد أصبحتا منتقليْن من هذا العالم، وبات وجودنا معه في عالمه اللامرئي مؤكَّداً وأبديّاً، وأمّا التصاقنا معاً في العالم المظهري هذا فلم يعد ينتظر سوى التجلّي، لأنّ أخذنا عروشاً في عالم السُّلطةِ ذاك، وما وجودنا هنا إلّا انعكاساً لوجودنا في عالم الحبّ الأعظم- عالم الله.

فقط يا أورورا، علينا أن نصبر على أكذوبة الزّمن لأنّ عالمنا هذا يحتاجها لكي يستمرّ، ولكن بتناغمنا مع الحركة الإلهية، مع قلب الله، اصبحنا في الرّوح خارج الزّمان والمسافة. لا نعود إذن تحت سلطان شرّ هذا العالم، لأنّنا لم نعد من أتباع هذه المملكة أبداً.

قد علِمنا أننا قفزنا فوق الهاوية الفاصلة بين مملكة النور ومملكة الظلام، فلم يعد لنا من عودة إلى نظام عالم الموتى.

هذا الفنّ الذي يلوِّن الخليقة، وهذا الجمال الذي يصبغ كلّ جزيءٍ من الأجزاء التي تكوّن عالمكِ، يكشف بأنّه لا يمكن للخلق أن يكون عشوائيّاً، بل تقف وراءه شخصيّة عاقلة وعاشقة. هذه القوّة ذاتها هي التي ألهمت كلّ عاشقٍ في كلّ عصرٍ أن يتوق إلى خطف حبيبته إلى الموائل الطبيعيّة. إنّه حلمٌ إنسانيّ غريب، ولكنّه متجدِّد دوماً: عاشقان في كوخٍ خشبيٍّ في وسط الطبيعة!

هل هو جنون؟ ربّما، لكنّه جنونٌ جماعيٍّ عند كلّ عاشقيْن. ومَن قال أصلاً بأنّه يمكن للحياة أن تستمرّ بدون الأحلام المجنونة، بدون الخيال المخضَّب بالحبّ، الذي لولاه لما وُجِد في هذا العالم الساقط دليلٌ على أنّنا ذوي أصلٍ إلهيّ؟

أورورا، الطبيعة إذن في ذهن العاشق لا تنفصل عن وجود الحبيبة، حتّى عندما يكون ما يزال وحيداً فيها؛ فهنالك إحساسٌ خفيّ بأنّ هذا الوسط النابض بالحياة الأصيلة لا يكتمل بهجةً بدون أن يكتمل هو نفسه. وكأنّ هذه الأوركسترا البدائيّة لا تبدأ بإيصال موسيقاها إلى روحه إلّا عندما تتناغم نبضات قلبه مع نبضات قلبِها، فيكتمل الكون الذي يشكِّلان هما نجمه الأبهى.

وهكذا يا أورورا فإنّ هذا التّوق اللاهب، الذي يهمس إلى مخيّلة العشّاق بتصاويرٍ تدعوهم إلى هَجر عالم الضجيج والرّكون إلى صمت الطبيعة، ليس وهماً، بل هي أكثر الدّعوات الإنسانية أصالةً، والتي تنبثق من أعماق الجوهر الإنساني الذي لم يتلوَّث، الذي يحنّ إلى الأصل الأوّل، إلى الحالة العَدَنيّة. هذه التصاوير هي الحقيقة التي يشوِّش عليها زُحام العالم، هذا الزُّحام المدنيّ الذي هو التجسُّد الأكثر جلاءً للطَّمَع البشريّ.

نحن والطبيعة، يا أورورا، أخوةٌ لأنّنا من أبٍ واحد؛ فالرّجل كالجبل الرّاسخ في صلابته وعشقه لملامسة سماء الألوهة، وكالرّيح في عنفه ونَزَويّته الحالمة، أمّا الأنثى فهي كالشّمس المتوهِّجة في ضيائها ودفئها ونشاطها المانح للحياة، وكالجدول في انسيابها الرَّقراق الذي يفيض حناناً ورِقَّةً ونقاءً، وبوجودها الذي يفيض أنغاماً صامته لا يُحسِن سماعها إلّا من تسامى في روحهِ.

لماذا نعشق الطبيعة ونحلم بها؟ لأنّ تناغم عناصرها يحاكي توق كلّ عاشقيْن إلى التَّناغم بين بعضهما، في حالة تبقى ما دامت نسمة الحياة باقية فيهما.

وأمّا أزهار الكرز الوردية فهي مثلكِ يا أورورا؛ فحين أهبّ عليكِ وألامس بتلاتك الرّقيقة تتطايرين فيَّ عِشقاً وألواناً. أنا المحرِّك الأكبر الذي لايتلوّن ويتعطّر إلّا بكِ، وأنتِ بهجة اللّون وسِحره، الذي لا يتموّج إلّا في بحري غير المرئيّ. أنا الرّيح وأنتِ عِطره؛ أنا وسط الحياة وأنتِ لونه؛ أنا البحر وأنتِ أمواجه.

نحن كونٌ صغيرٌ من العناصر الطبيعية التي تتوق للانسجام، فكيف لا نحنّ إلى صورتنا الأكبر، عالم الخليقة الطبيعية، بكلّ ما فيها من هدوءٍ وثورة؟!

وإذ كنّا يا أورورا مخلوقيْن كجزءٍ من هذا التناغم الكوني فنحن لا ريب متّجهان إلى أن نكوِّن جسداً واحداً، لأنّ غاية كلّ الخليقة هو الوصول في النهاية إلى الانسجام، فما جمعه الله لا يفرِّقه إنسان، وما رُتِّب منذ بداية الخلق في الفِكر الأزليّ لا بدّ أن يتمّ، لأنّه أصلاً موجود في عالم الوجود الحقّ.

الحتميّة يا أورورا هي أنّ النهر يصل إلى مصبّه، وأنّ الثلج يذوب في الرّبيع ليكون ينابيع كثيرة، وأنّ الفصول تتعاقب، وأنّ دورة الموت الذي يُنتِج حياةً لا تتوقّف في الطبيعة؛ وهكذا أيضاً تكون الحتميّة أنّ ما هو جديرٌ بتحقيق التناغم يجب أن يصل إليه، لأنّه مُعَدٌّ سلفاً لهذا القصد العظيم، وأنّ ما وُجِد أوّلاً في عالم الأفكار قبل الخلق يجب أن يحصل بعد حدوث هذا الخلق؛ فالسّرور المخفيّ يجب أن يصبح معلَناً، والفرح الذي يحدث الآن كان حادثاً في فِكر الله، وتجلّى في هذا الوقت لكي تشارك الخليقة فيه؛ لكي يشهد أبناء الإنسان على مثالٍ صغير مما هو كائنٌ في الجوهر الإلهي.