الرسالة الثامنة إلى أورورا

بقلم فادي أبو ديب

khj000121a-315x400

أورورا، اعلمي يا فتيّة بأنّ وجودنا في هذا العالم ليس سوى مظهر نراه ليلائم محدودية أجسادنا، وأمّا وجودنا الحقيقي هو في أحد جانبيْن:مملكة النور أو مملكة الظلمة. وعالمنا المظهريّ هذا خاضع لسيطرة مملكة الظلام. إلّا أنّ حبّنا المتحد معه، لذاك الذي أحبّنا، هو الذي يعطينا معرفة حقيقة وجودنا في ذلك العالم المُنار، وهو الذي يجعلنا نعلم بأننا لا نخضع بالفعل لبديهيّات عالمنا المظهري.

اتّحادنا فيه معناه أنّ شَرخاً لا يمكن ردمه قد فصل بيننا وبين مقوّمات العالم الحاضر الذي يستعبد أبناء الإنسان لكي لا يعرفوا حقيقة مملكة النور المحكومة بقانون حبٍّ هائل يذوب فيه البشر، ويرون من خلاله أنّ المحبّة هي ما كان وما سيكون إلى الأبد.

ونحن إذ التصقنا به يا زهرتي البانعة انتقلنا إلى عالمٍ آخر، ليس بمقاييس الشِّعر والوهم، بل بالفِعل والحقّ. وإيماننا بانضوائنا العجيب تحت مُلكه غير المنظور غَسَلنا من هذا العالم، وأغرقنا بفيضٍ من نورٍ البديهيّات الجديدة؛ فنحن أصبحنا شركاء في علاقةٍ حبٍّ مارسها الله منذ الأزل.

أن نمارس ما يمارسه الله منذ الأزل هو ولوجٌ في عُمق الوجود، واقتحامٌ لعالمٍ يختلف جذريّاً عن مقوّمات عالمنا، وخروجٌ عن بديهيّات المنظومة البشرية العاديّة.

أورورا، لقد مات السيِّد لكي نعرف في عمق أعماقنا أنّ عالمنا المظهري يختلف عن عالم الحبّ، وأنّ كلّ موتٍ عن العالم تعقبه حياة في ذلك العالم. نموت ونحيا هنا، فالمكان وهم وكذلك هو الزمان. حياتنا الأبديةّ في عالم الحبّ تبدأ هنا والآن وتستمرّ حتماً إلى الأبد.

أورورا، أورورا، مَن يَلِجُ عالم الحبّ (أليس هو الحيّز الأوحد للحقّ؟!) يكون كَمَن اختير لأداء رسالةٍ عُظمى في عالم السّقوط، فلا تستهيني بالبركة التي نلتِها! فكم هو اختيارٌ إلهيٍّ بهيج وعجيب أن يعيش أحدنا في العالم الحقّ! أن يعرف، وأن يختبر ما هو في الحقيقة في جوهر الوجود الإلهي السَّرمّدي.

لقد أحبّ الله ابنه منذ الأزل، وأحبّ الإبن أباه منذ البدء. وإذ كان الحبّ الكلّ في الكلّ، خُلِق العالم ووُجِد الجمال، لأنّ محبّته أبَت إلّا أن تفيض، وتتجلّى، وتوجِد خليقةً تشارك في هذه الطبيعة الإلهية السرّيّة؛ تشارِك في فِعل التخليق والحبّ، تختبر في العمق هذه التجاذبات الرّوحية العابرة للمسافة والتي تتجاوز مفهوم الزَّمَن.

تخيّلي يا مَن أنتِ في خضمّ بحور الصِّبا أنّك تشتركين الآن في فِعل إلهيّ قديمٌ قِدَم الأزل، وأنّ فيض حبُّكِ يتماثل في الرّغبة مع الدافع الإلهي الأصيل في الخلق.

هكذا كان السِّرّ منذ البِدء!

ولمّا أصبحنا- عبر نعمته الفائضة- شركاء في السِّرّ تناغمنا مع الأنشودة الإلهية، المُغنّاة منذ الأزل، فدخلنا في عالم الحقائق، وبتنا نرى رؤية القلب بأنّ ما يحيط بنا من مظاهر هي أكاذيب وأوهام. لم نعد نعرف الزَّيف بعقلنا فحسب، بل نراه الآن بقلبنا. صِرنا نشتمّ رائحة الموت من جثث مبادئ هذا العالم الحاضر، وهكذا أيضاً أصبحنا نتنسّم عطور الحياة من منهلها الغامض، الذي لا يعرفه إنسان إلّا من حلّ عليه غنوص المحبّة.

يا أورورا التي ألقى الآب في قلبها سِرّه، بهذا الغنوص- المعرفة تجسّد إيماننا فبات واقعاً؛ واقعاً في خيالاتنا التي هي مهد معرفة الحقيقة، وواقعاً في مسيرتنا في هذا العالم السّاقط؛ فنحن، الآن، نرى بحقّ الموت فيما هو ميت، والحياة في كلّ حيٍّ حتى لو لم تبدُ فيه الحياة في العالم المظهري.

أورورا، دعيني ألقي في قلبكِ نفحةً من نور فتعلمين أنّه بتناغم قلبيْنا مع روحه ورؤيتنا لما يراه، أصبحنا متّحديْن معه ومالكين لبذرة طبيعته الإلهية التي تتكلّم حبّاً، وتَلِد كوكباً صغيراً يتألّف من قلبي وقلبِكِ، يدور في مدار هذا الثالوث العظيم. وهكذا يكون ماثلاً حوله في كلّ حين، ومستنيراً منه في كلّ لحظة.

قد أصبحتا منتقليْن من هذا العالم، وبات وجودنا معه في عالمه اللامرئي مؤكَّداً وأبديّاً، وأمّا التصاقنا معاً في العالم المظهري هذا فلم يعد ينتظر سوى التجلّي، لأنّنا أخذنا عروشاً في عالم السُّلطةِ ذاك، عالم الوجود الحقيقي غير المتأثِّر بتقلُّبات الزّمان، وما وجودنا هنا إلّا انعكاساً لوجودنا في عالم الحبّ الأعظم- عالم الله.

فقط يا أورورا، علينا أن نصبر على أكذوبة الزّمن لأنّ عالمنا هذا يحتاجها لكي يستمرّ، ولكن بتناغمنا مع الحركة الإلهية، مع قلب الله، اصبحنا في الرّوح خارج الزّمان والمسافة. لا نعود إذن تحت سلطان شرّ هذا العالم، لأنّنا لم نعد من أتباع هذه المملكة أبداً.

قد علِمنا أننا قفزنا فوق الهاوية الفاصلة بين مملكة النور ومملكة الظلام، فلم يعد لنا من عودة إلى نظام عالم الموتى.