الرسالة الحادية عشرة إلى أورورا

بقلم فادي أبو ديب

GnosticNunnery blogspot com

لقُبلة يا أورورا مقدِسٌ رهيب، بعضهم حرّم الدخول إليه إلّا بموافقة رئيس الكهنة، وبعضهم استباح الأقداس فدخل إليه منتعلاً أحذيته الملوّثة بقذارة العالم. وأمّا العارفون فيدخلون إليه بعد أن يخلعوا أحذيتهم ويقفون أمام العليّ، لأنّ الجسد قناةٌ للمعرفة بين المحبّين، بين الذين سكنوا أخدار بعضهم البعض، بين الذين علموا أنّ المعرفة مقدَّسة ومهوبة، ولا يجدر بالجهّال الاطّلاع عليها ولا حتى إلقاء النظر عليها.

أورورا، قد تتساءلين لماذا هذا التناقض في العالم؟ لماذا يجتمع وجود التحريم القاطع والاستياحة المفرِطة؟ والحقيقة هي أنّ كل هذا التناقض مصدره شيء واحد فقط، وهو الخوف.

خوف الإنسان من الحبّ دفعه إلى منعه وتحريمه، وخوفه أيضاً هو الذي دفعه إلى انتهاكه وفق مسمّيات مختَلِفة؛ فالحب يا عزيزتي تضحية وحياةٌ في عالم الرّوح، ومَن يريد أن يعيش هناك في عالم اللاملموس؟

وجود العالم ووجود الحبّ متناقضان في أساسهما؛ فالحبّ لا يعيش مع الخوف، والخوف هو ما يلفّ حياتنا منذ ولادتنا. الحبّ هو الدلالة الوحيدة على أنّنا أكثر من بشر ساقطين وهو أيضاً الإثبات الأكبر بأنّنا حقّاً ساقطون. وهو أيضاً حدسنا الذي يخبرنا بأنّ هنالك ما هو أسمى من كلّ القوانين البشرية. الحبّ هو مَن يهمس لنا بأنّ كلّ قوانينا صُنِعت لتقيّد حرّيتنا، وأنّ لا حريّة حقيقيّة من دونه.

لذلك يا أورورا فالقُبلة تخيف البشر، فبعضهم يسعى لتحريمها والبعض الآخر يجهد في استباحتها، لأنّ كليهما يخاف من أن يُحرَم من إشباع ما هو في صلب وجوده؛ الأول يخاف الحريّة التي قد ينالها غيره ولا ينالها هو، والثاني يخاف القداسة والتضحية والدّخول برويّةٍ إلى المقادس، فلا يريد أن يعيش في الخوف من الوجود الحقيقي للمقدَّس، فيُضحِي كالذي يخاف المعابد، فيدخل إليها وهو يرقص بجنون أو يجري فيها وهو مغمَض العينين، لكي يقنع نفسه بأنّ المعبد غير موجود.

القبلة إذاً يا أورورا اليانعة ليست مجرّد تلامسٍ جسديّ، بل هي أبعد ما تكون عن ذلك. وكلّ تلامس جسديْن لا يعبّر عن التوق الروحي للموت من أجل الآخر هو انتهاك متبادل لمملكتيْ الجسد، هو دخولٌ إلى مقدسٍ محظور، دخولٌ إلى عرين معرفةٍ محرَّمة لا تستوجب أقلّ من عقوبة الموت، موت الفضيلة…إنّه موت ذاتيّ لقائيّ، يتولّد فور اكتساب هذه المعرفة.

القبلة الحقيقية هي صلاة في خشوع، هي موقف تهيُّبٍ أمام هذا التوق الروحي للإقامة في الآخر وعدم الخروج منه، لا بل هي أيضاً بالأحرى توقٌ لاستقبال الآخر في مساكن الرّوح. وأيّ مقدسٍ إلهيٍّ يقبل دخول الكاهن إليه من دون تهيُّبٍ وخشوع! أيّ قيمةٍ لعبادةٍ هي تلك التي يقدّمها من يكفرون بخالق العبادة! وأيّ حقٍٍّ لامرءٍ في دخول مملكة الجسد وهو يجهل سيادة الرّوح وتجلّياتها في تعبيرات هذا الجسد أوّلاً!

كلّ فعلٍ لا ينطلق من الرّغبة في الفضيلة هو فعلُ موت. كلّ فعلٍ لايحترم التناغم المفروض بين الرّوح والجسد هو حكم على المعرفة بالإعدام.

لهذا نرى العالم ميتاً، لأنّه جسدٌ بلا روح، لأنّه يتصرّف كجثّة، لأنّه يعتقد أنّه يعرف بينما لا يرى سوى قمّة الجبل الجليدي.

يا أورورا…لنا الحياة والمعرفة فقط إن اتّبعنا الشوق الحقيقيّ للروح.