الرسالة السادسة إلى أورورا

بقلم فادي أبو ديب
khj000349-400x314

 

أورورا، يُحكى أنّنا التقينا يوماً في لحظة من الزمان الذي كان معيَّناً قبل لحظة الملء.  نظر كلانا إلى الآخر بسرّيّةٍ ومظهرِ تجاهلٍ، فأخذت قِوى الله حينها من كلٍٍّ منّا ذرّة غبار من وجوده المحدود ونثرتها علي جسد الآخر، فنشأ ذلك الارتباط السرّي في الوجود الكلّ، في القناة التي تحكم وجوده ومصيره، ثم…هناك افترقنا، ولم ندرِ يومها أنّ الذّاكرة الكونية لا تنسى ولا تعرف الصُّدَف.

  ألا تريْن كم أنّ الزّمان ألعوبةٌ كونيّة تخدع بني الإنسان وتجعلهم يظنّون أنّهم يحكمون أوقاتهم، وأنّ إراداتهم العاجزة قادرة على تقسيم هذا المجرى لوجودي العظيم والمجهول إلى أيّامٍ وشهورٍ وسنين؟.

عندما ندرك ما هو العالم الحقيقي تصبح كلّ المسافات والمظاهر الجغرافية مجرَّد مظاهر وهمية لا تحجز شيئاً من المعرفة التي تستقرّ في العالم الأعلى، ويصبح الزّمان مجرَّد منظِّمٍ مؤقِّتٍ لحياتنا التي تأخذ هيئةً محدودةً بشكلٍ مؤقَّت.  وأمّا الحقيقة الوحيدة فهي أنّه إذا ما أدركنا أنّ كلّ ما نفعل يتّسق مع الرّوح الأقدس، وأنّه يتّجه بالفعل إلى قدرٍ مجيدٍ مكتوبٍ منذ القديم، نصبح حينئذٍ متحرِّرين من قيود الزّمان والمكان، كَمَن يسكن في الغمام ويراقب تفاصيل قلّما تهمّ فِعلاً إلّا في زيادة معرفة ذاته، وليس في تحديد مصيره.

هكذا إذاً أنا وأنتِ ننسج عبر الزّمان  والمكان المطلقيْن خيوط الحجاب الذي يفصلنا عن العالم المظهريّ الذي لا يعني شيئاً حقيقيّاً، وبهذه المعرفة ندخل الحجرة التي بها ندرك ما هي فلسفة القدر والزّمان.  هذه الغرفة العرائسية  هي وجودٌ فوق هذا الوجود، نعرفه نحن وحدنا، ونسكنه بفرحٍ وخلود.

أورورا، هذا السِّتار الكثيف المكوَّن ممّا نسجته يداك ويديّ هو الحقيقة الوحيدة التي يعيشها كلانا

 

كلّ ما في عالمنا حقيقةٌ أكثر من العالم المظهريّ، لأنّ ما يُغيِّر ويفعل في صُلب الوجود- الذي هو نحن- هو فقط ما يستحقّ أن يكون حقيقةً؛ فمن قال أنّ القُبلة هي التي تلامس الأجساد؟ لا، بل هي جَرَيان الحنين المُرسَل عبر المسافات غير المعتَرَف بها (وهل يحتاج الإحساس في قمّته إلى قُربِ أو بعدٍ مكانيّ؟!). هي أيضاً فيض الشّوق  الذي يتنقّل في الأثير بيننا من دون أن يُحكَم بقانون المكان.

 

القُبلة تسكن في الزّمان المُطلَق وتُفهَم سِرّيّاً، وبلطفٍ تنطبع على جوهر الرّوح لتعلن حبّاً يانعاً بريئاً لا يشيخ، مقاوماً في الحقّ.

القُبلة يا أورورا مَقدِسٌ لا يُدنَّس، وهمسةٌ، تُشعَر من دون أن تُلفَظ، تنتقل كومضة بين الكلمات  المنطوقة وبين الرّسائل المنثورة. إنّها حَدَثٌ روحيّ صامتٌ في عالم  الملموس، ناطقٌ بأشعارٍ في العالم الحقيقي، عالَم المخيّلة المقدَّسة…عالم المَرئيّ مسبَقاً..

هي التي تحفظ القلب خافقاً نيِّراً، وتُبقي الرّجاء مُشتعِلاً؛ هي علامة   السُّكنى وعلامةٌ تختِم على حقيقة أنّ اللِّقاء في الغرفة العرائسيّة قد تمّ، وأنّ الإرتقاء فوق الوهم قد هزّ كلّ كيانات الملموس.

 

أورورا، قد خدعنا العالم المظهريّ بزيفٍ خبيث يقول أنّ الزّمان والمكان شيء وهو ليس بشيء!  المعرفة ليست للكثيرين، ليست لطالبي الرّاحة والمعارف العابرة الهيّنة؛ والإدراك ليس في متناوَل العوامّ الذين لا يريدون البحث في حقيقة هذا الوجود، فقليلون هم من يُنتَخَبون للحصول على المعرفة التي حصلنا عليها، وهي بأنّ العالم الملموس مجرَّد حُلُمٍ سريع في خضمّ يقظة الزمان الأبدي..