الرسالة الثانية عشرة إلى أورورا

بقلم فادي أبو ديب

لاقهيلث

 دأب البشر يا أورورا العزيزة أن يتطارحوا مسائل البُعد والغياب وكأنّ لها ارتباطاً وثيقاً بالمسافة والزمان. وما أشرّها من ضلالة! فكم من غربة تفصلنا عمّن لا تفصل بيننا وبينهم سوى خطواتٍ قليلة، وكم من أناسٍ نتساكن معهم وهم على بُعد بحارٍ وصحارٍ، لا بل وسنين أيضاً؟ بعضنا يسكن مع من مضوا منذ مئاتٍ أو آلاف من السنين. أوَليست تلك سُكنى حقيقية حين يعيش واحدنا بوحيٍ ممن غادره منذ سنين فلا يعمل إلّا بمشورته؟ ما هو القُرب إن لم يكن حضوراً في الفِكر والقلب والأفعال؟

البُعد يا أورورا هو انفصال مشيمتيْنا عن المنبع الذي نتغذّى منه سويةً، والقرب هو أن نستقي من الينبوع الروحي نفسه. فهل تسكن الأرواح في بيوتٍ أو تنحصر في زمنٍ ما؟ البُعد هو خروج أحدنا من الغرفة العرائسية قبل أن يسمع البوق، وأمّا القرب فهو الانطواء في داخلها حتى يحين موعد الخروج سويّةً. نحن يا أورورا كجنينيْن يتكوّران حول بعضهما في رحم العالم الحقّ، كبذرتيْن تنتظران لحظة الإنبات وخروجهما شجرتيْن عظيمتيْن إلى عالم الهواء الطَلق، فعالمنا الملموس هذا هو التراب، وقدرنا أن ننمو إلى ذلك المكان الذي تداعب فيه الرياح أغصاننا التي ستستقبل الشمس والرِّياح إلى الأبد. نحن الآن متّصلان بالمغذّي الكوني الذي سيُطلِقنا إلى العالم سويّةً حين يزفّ الموعد.

البُعد لم يكن يوماً يتعلّق بجبالٍ فاصلة أو بعدم القدرة على التلامس أو بأوراق يخطّها البشر وتسجلّها منظماتهم الفاسدة، بل هو عدم القدرة على رؤية ما في عينيْ الآخر وقلبه، فكلّ أحاسيسنا تعمل في عالم اللاملموس، والحبّ أيضاً أعظمها، فهو تلك الكينونة الباقية من ذلك العالم، وحَسَنٌ له ألّا يقاس إلّا بمقاييسه التي لا تخضع للمكان والزمان.

قربُكِ هو أن تكوني قادرة على إغراقي بالحنان وإشعال العالم من حولي حماسةً وحلماً، هو أن أكون قادراً على الإحساس بنسغك يجري في شراييني كقانون لا يبطُل، وأمّا بعدكِ فهو أن تنسيْ اللغة التي لا أعرف غيرها، وأن أصير عاجزاً عن التقاط زفرات روحكِ أو قهقهاتها.

القرب هو أن نشعر بكل قبلة أو زفرة أو أنفاس تتلاحق شوقاً، وأن لا نعرف لماذا نهتمّ لكلّ تفصيلٍ مهما كان سخيفاً؛ القرب غيرةٌ طفولية عنيدة عابرة للمسافات والأزمنة، وشعورٌ بالتملّك  لا يمتلك أي تعليلٍ يثبت حقّه؛ القرب هو طفل يرفض أن يتشارك مع أحدٍ في لعبته لأنّه يعرف أن صديقته الصغيرة قادمة هذا المساء أو بعده أو الذي يليه، وهو طفلةٌ تختطف كلّ يومٍ مكحلة أمّها لتكحّل عينيها انتظاراً للقاء فارسها الذي لا تعرف موعد قدومه. القرب هو الاقتراب مع ثقة بحدوث اللقاء، لأنه يتعلّق بإيمان فحواه أنّ اللقاء هو دستور المحبّين الذي لا يمكن خرقه.

ما زلتِ قريبةً يا أورورا، وها إنّي أشعر بكِ على بُعدِ قبلة، وعلى بعد زفرة ألم أو لحظة خوف أو خبر يقطر فرحاً وأملاً.