عن الخيال…وعينيْ الآخر

بقلم فادي أبو ديب

imagination

انطلاقاً من ديالكتيكيّة (جَدَليّة) غريبة نلاحظ بأنّ الخيال لا يخرج إلّا من مستوطني سجون هذا العالم المُشبَع بشتّى أنواع القيود والمُحرَّمات.  وهكذا يُصبِح سجننا وقود خيالنا، والخيال يصبح جزءاً من وعينا، ومن طريقة إدراكنا لنفسنا وللعالم الملموس الذي يحيط بنا، والعالم الخفيّ الذي يعمل فيه.  لا بل يصيرُ المشكِّل الحقيقي كلّما ابتعدنا عن متاهات العالم المعقَّدة.

الخضوع للملموس والعاديّ ليس إلّا انحداراً للحضارة الإنسانية إلى هاوية الموت والظلام الأبديّ؛ فالخيال فقط هو مُنتِج التراث الأدبيّ والروحيّ والفكريّ للإنسانية.  وليست الموسيقى التي نسمح لها بحملنا إلى أكوانها الغامضة إلّا خيالاً خلّاباً احتفظت به إرادة التخيُّل الإنسانيّة الجامعة.  شخصياتنا كلّها صيغت من قبل أفكارٍ ونَغَمات، أي من قِبَل مخيّلة بشرٍ آخرين.  نحن إذن (ولو كان هذا التصريح مفاجئاً) نِتاجٌ خياليّ بطريقةٍ ما.

وإذا راقبنا أنفسنا بعمق، فسنجد أنّنا نعيش في الحقيقة في عالم المخيّلة، وكلّ ما نعتقد أنّه تفكيرٌ في المستقبل هو خضوعٌ للخيال، وكلّ توقٍ إلى ماضٍ أو إلى عشقٍ، وكلّ شعورٍ بالوجد والحنين، ما هو إلّاتسليم الذّات إلى الخيال وأمواجه التي لا ضابط لها.

اعتناؤنا بخيالنا هو صناعةٌ لذاتنا، والإغراق في الخيالات ليس عاراً، بل هو وحي يجب أن نستقبله بفرح.  الإغراق في الخيال الجامح هو فقط الذي يُثري الإنسانيّة بكلّ جميلٍ وجليل، وهو من دون شكّ ما يمنحنا كلّ هذا التراث الشِّعريّ والأدبي والعِلميّ الرّفيع.  إنّه أيضاً مصنع الشرّ كما أنّه مصنع الخير، وهو سجنٌ محتَمَلٌ للآخرين كما هو تماماً حياةٌ لنا ولهم.

على مستوىً شخصيّ لكلّ فرد، فإنّ تدريب الخيال عبر الغرق في التراث الأدبيّ الإنساني ليس إلّا بوّابة-حرفيّاً- لعوالم جديدة تُعاش بكلّ تفاصيلها في العالم غير الملموس، وخاصّة إذا تماوج هذا المِخيال الشخصيّ مع مبادئ مُستقاة من الوعي الذاتي والحدس المدرَّب في الطبيعة وتفاصيل السلوك الإنسانيّ. 

أعتقد أنّ العيون البشريّة مَنبعٌ لا ينضب للحدس الذي يُدرِّب الخيال ويمنحه انطلاقاتٍ انفجارية في عالم غير الحقيقة غير الملموسة.  هذا يحدث خاصّةً وليس حصراً في العلاقة بين الجنسين البشريّين، فيبدو بأنّ عينيّ كلّ جنسٍ مصمّمتان لتدريب الحدس للجنس الآخر لما تمتلكانه من حساسيّة إيحائيّة خاصّة بالنسبة للآخر المختلِف.

عينا الآخر تعزفان في نفسنا موسيقى أو إيقاعٍ يجعلنا نشعر بالجوهر الإنسانيّ.  إنّه تقريباً الجوهر الذي لا يجد لذاته مُتنفَّساً من دون أن يتشوّه باللغة أو التعبير الخاطئ وغير الدّقيق عن النفس.  عينا الآخر تتحدّثان بعيداً عن الأكاذيب الاجتماعية والذاتية المفروضة والتي لا يمكن لأحدٍ أن يتخلّص منها كلّها.  فالإنسان لا يمكن له أن يكون صريحاً مع ذاته حتى النهاية، لأنّ في هذه الصراحة كثيراً من اللاقانون المخيف الذي لا يمكن لأعظم الشُّجعان أن يحتمل العيش وِفقه.  هكذا يكون الخيال الشخصي وخيال الآخر اداةً لنسج شيءٍ من الحقيقة في عالم الحدس.

الخيال هو الوحيد الذي ندرك به وفي عالمه معنى الفضيلة والجواهر المثالية:  الحبّ، الجمال، الصداقة، وكلّ أوصافها وتعبيراتها الشّعرية التي تفشل غالباً في التعبير عن ذاتها كاملةً في عالم الملموس.  عينان شاكرتان أو مُحبِّتان توصِلان حدسياً المعنى كاملاً من دون ألاعيب اللغة وتورياتها وخوف الأنا من القوانين المعشِّشة في النفس.