المتجسِّدان (قصّة قصيرة)

بقلم فادي أبو ديب

Sue marino, девушка, ангел, эльф, магия, крылья, 2560x1600

صوت جرس الكنيسة وقرع الطبول المترافقان كانا موسيقاها المفضَّلة، فهذا موعد عودته مع الموكب الملكيّ بحلّته العسكرية. كان هذا يتكرَّر كلّ عدّة أسابيع وأحياناً تمرّ أشهر قبل أن تراه. إنّه إذاً موعد عُرسِها الجوّانيّ؛ تدعو أختها الصُّغرى لتسرِّح لها شعرها،وترتدي فستانها الخشن الذي كان أبيضاً فيما مضى- أفضل ما عندها- ثمّ تجري إلى الخارج، كما اعتادت منذ الطفولة حين كانت ترافق والديها والجموع لمشاهدة الموكب الانتصاري الملكي بعد كلّ معركة كانت تحصل في مناطق في هذا العالم الذي لا تعرف عنه شيئاً.
سَئِم والدُها من هذه الاستعراضات التي يتبختر فيها الملك أمام الفقراء والبسطاء. كان يقول دائماً أنّه يكره أن يرى هذا العجوز يختال أمام الناس بانتصارٍ دفع ثمنه الفقراء من دمائهم وسعادة أولادهم. ولكن ماذا يهمّها من الملك العجوز؟ كانت تحبّ الاحتفال وتحبّ كلّ مرّةٍ تسمع فيها صوت جرس الكنيسة والطبول، لأنّه الموعد الوحيد الذي كانت تستطيع أن تراه فيه. كان يمتطي جواده خلف الملك. عيناه الرّماديّتان الكئيبتان لا تمنعان أمارات الحنان من الظهور واضحةً على مُحيّاه. كان يتلفّت لينظر إلى الجميع، وخاصّةً الأطفال والصِّبية والفتيات الذين يلوّحون له كما يفعل الجميع، وبين الفينة والأخرى كانت البشاشة تنفجر على وجهه بضحكةٍ يكبتُها سريعاً لتعود الكآبة مجدَّداً لترتسم في عينيه.
كانت تتحرّق من الداخل لتعرف إن كان قد لمحها يوماً ما بعينيها الزرقاوين الملائكيتين كما كانت تكرِّر لها أمّها. كانت تتحايل لتعرف اسمه من اأيها وهو يرمي ببعض تعليقاته بين الجموع. ولكن كيف السبيل إلى المعرفة، وهي تعلم أنّ في قريتها لا يمكن للفتيات أن تسألن عن أسماء الرِّجال؟ كانت تفكِّر بأنّها تريد أن تصرخ له باسمه علّه يلتفت ناحيتها. قد يرمي لها بالتفاتها، أو ربّما تكون من نصيبها هذه الابتسامة التي تشرق وتغرب سريعاً كالتماع حدّ السَّيف. أَوَلم يكن ذلك يكفيها لتحلم به أسابيع طويلة، وتتخيَّل كيف أنّه سيأتي كما هو الآن في هذا الموكب ليأخذها أميرةً كما كانت تسمع في حكايات جدّتها العجوز.
ولكن كيف هو السبيل إلى ذلك، وهي من عائلةٍ وضيعة وتسكن في الحقول على أطراف المدينة. من المؤكَّد أنّ الأميرات وبنات النبلاء في المدينة أكثر منها جمالاً وأشدّ إغراءاً. ولِمَ سيهتمّ بفقيرةٍ مثلها! كانت أمّها تقول دوماً أنّ بنات المدينة لا يخشيْن من إبراز مفاتنهنّ علّهن يستولين على اهتمام أحد القادة أو رجال البلاط. كانت أمّها تكرِّر لها ذلك كلّما نسيت أن تشبك فستانها جيداً أعلى صدرها وهي تركض مسرعةً إلى الخارج في أوقات الاحتفالات.
كان هو صاحب الوجه الوحيد الذي رافق أحلامها منذ الطفولة، ولو أنّ الشَّيب بدأ يغزو لحيته المشذّبة الكثّة، وباتت عينيه أكثر كآبةً. فمع كلّ ذلك فقد صار وجهه أكثر انكساراً وإشراقة ابتسامته أكثر لمعاناً. حين كانت طفلة كانت ترى فيها أباً يصلح كثيراً أن يكون بديلاً عن والدها. ولكنها الآن ترى فيه حبيباً سرّيّاً وشريك أحلام اليقظة ومنامات الليل، حتى أنّها في آخر احتفال قرَّرت أن تدهن شفتيها بقليل من الطّيب اللمّاع الذي أخذته خفيةً من صندوق أمّها لتدَّهن به في الخارج. هل سيراها؟ لا يهمّ، فهي تقابله في قلبها، وتتخيّله آتياً إليها في كلّ مرّةٍ تراه، لا بل أنّها تزاداد خجلاً ويرتفع احمرار وجنتيها حين يقترب أكثر فأكثر إلى المكان الذي يقف فيه الحشد المحيط بها. “عجباً لباقي الفتيات، ألا يرونه؟ كيف يمكن لهنّ أن يبقين واقفات بكلّ هذه الملامح العاديّة غير المبالية به؟ كيف يمكن لهنّ ألّا يخفضن أصواتهنّ حين يقترب؟” إنّها تكاد تتوقّف عن التنفُّس، خاصةً حين يظهر وكأنّه ينظر ناحيتها!
لن تصل إليه. عقلها يقول لها ذلك، ولكن دقّات قلبها تفسد عليها هذه القناعة. هي فقيرة في الرابعة عشرة عشرة من عمرها. من أين لها أن تكون أكثر إغراءاً من فتيات المدينة بالنسبة لهذا الجنديّ المخضرَم. أمّها تقول أيضاً بأنّ القادة يحبّون كثرة النساء ولا يمكن أن ينظروا إلى فتيات الحقول الحالمات الوضيعات الأصل، بالإضافة إلى ذلك فأمّها تجبرها على أن تشبك فستانها جيداً من الأعلى. هذا خانق لأنوثتها. إذا هو لن ينظر إليها لأنّ فتيات المدينة يرتدين فساتين أكثر إغراءاً!
ولكنها تمتلك الأحلام. ستحلم به كلّ يوم، وستتخيّل أنّه يخطفها وتذهب معه إلى واحدةٍ من تلك المدن التي لم تسمع باسمها إلّا في قصص الحروب. لا بدّ أنّه يعرف الكثير من المدن وستذهب معه إلى أبعدها ليختبئا سويةً.
لم تكفّ عن التخيُّل، رغم شائعات الحرب التي اغرقت أحاديث الفلّاحين وسرت عبر كلّ المدينة. بدؤوا يقيمون المتاريس في كلّ مكان. الحقول التي يسكنون في وسطها باتت تعجّ بالجنود والفلّاحين المستعدّين للحرب. ولكنها لا تزال تأمل بأن تراه بعد الحرب القادمة يأتي منتصراً. ولعلّ حينها ستعرف اسمه وستناديه به من وسط الحشود. لا ريب في أنّها ستعرفه لأنّ الحرب باتت على أبواب مدينتها، وسيبدأ الناس يتداولون قصص بطولاته في الحرب القادمة. نعم، ستتقصَّد أن تتجوّل بين الفلّاحين لتتنصّت على أحاديثهم، ولا بدّ أنها ستكتشف بطريقة ما هويّته.
صباح الأحد التالي استفاقت على قرع الأجراس بقوّة. الناس تجري كلّها باتجاه المدينة. لا بدّ أنّه موكب آخر لحبيبها المنتصر! ولكن الأمر كان يبدو مختلفاً في هذه المرّة؛ فعلامات الرّعب تعمّ الوجوه، والصرخات الخائفة تتصاعد من مختلف الاتّجاهات. بدأت تركض كما يفعل الجميع. كانت قد ارتدت حلّتها المفضَّلة لتخرج إلى موكبها المنتَظَر، إلى عرسها الجوّاني الخيالي. ولكن الأمر كان قد بدأ يسوء. الناس تتساقط بسهامٍ تأتي من أعالي التلال. بدأ الخوف يسري في أوصالها، وجَرَت كالمجنونة باتجاه المدينة….إليه. ستراه في أيّ مكان وستلتصق به.
كانت قوّات الأعداء تتقدّم من الاتجاه الآخر باتجاه المدينة مباشرةً حين وصلت. ولكنها رأته من بعيد وهو يأمر الجنود ويتحرّك بسرعة من مكانٍ إلى آخر.
بدأت تقترب منه رغم هذا الإحساس المزعج بالحرارة في صدرها. إنّه الحبّ ربّما! لأوّل مرّة تشعر بهذه الحرارة التي تنساب في كلّ مكان. لم تعد تقوى على السَّير. أرادت أن تجلس لتستريح قليلاً. الآن بدأت برودة غريبة تحلّ محلّ الحرارة. لم تعد أطرافها تقوى على الحركة. كلّ هذا حصل في ثوانٍ. تريد أن تقترب أكثر فلم يعد بينها وبينه أكثر من بضعة خطوات، ولكن جسدها لم يعد قادراً على الحركة. ابتسمت إذ رأت لمعاناً ينبثق من صدرها، تماماً كبريق ابتسامته. ولكنها لم تعد قادرة على التحرُّك أبداً.
رأت والدها يندفع باتجاهها…”ماسة”…ولكنها لم تقوَ على الردّ فهي متعبة جداً….والبرودة بدأت تجمِّد عروقها…وشيٌ آخر سرق لبّها، فعيناها المثبّتتان نحوه بداتا تراقبانه وهو ينظر باتجاهها ووالدها. ها هو الآن يتقدَّم نحوها بسرعة…ابتسمت بفرح…”ماسة”! ها هو يلفظ اسمها، لا بل وينظر إليها مباشرةً…هي وحدها من دون كلّ الجموع. من دون الفتيات الأخريات ولا فتيات المدينة المغريات. انحنى فوقها وبدأ يتفحّص مكان الجرح العميق. عيناها مثبتّتان فقط على قسمات وجهه القريبة. يبدو وجهه أكثر وضوحاً هنا. عيناه غائرتان بشكلٍ أجمل مما ظنّت، وعلى جبهته الكثير من النّدوب التي لم تعرف بوجودها قبلاً. كانت تودّ لو تقول له أنّ القلادة التي يضعها في عنقه جميلة وأنّها تريد أن تصنع له واحدة أجمل. ولكنها لم تقوَ على النُّطق…الابتسام كان الشيء الوحيد الذي فعلته بصعوبة وهي تحلم الآن بملائكة تحوم في كلّ مكان.
كأنّها سمعت إحدى هذه الصُّوَر، والتي بدأت بالظهور والتطواف في المكان، تهمس لها بأنّها ستراه في مكانٍ آخر. ستكون وحيدته في ذلك الزَّمَن. سيولدان ثانيةً… وستحبّه من النّظرة الأولى، وستشعر بأنّها عرفته منذ آلاف السنين، وسيتحدّثان بعيونهما عن قصصهما القديمة التي لن يدركاها…
الآن تستطيع أن تتنفّس الصُّعَداء…وترتاح.