النفس الليلية

بقلم فادي أبو ديب

blue-night-please-enable-javascript-to-view-the-comments-powered-by-disqus-172003

الإنسان الليليّ هو الأقرب للصدق واللاوعي الأكثر تمثيلاً للأنا من مظهريّات النّهار. الجنس البشري ليس مؤهّلاً بعد لسيادة النجم الشمسيّ على الكوكب لمدّة طويلة، ولهذا ينزلق في مستنقع النشاط الكاذب والغضبيّ. الشمس لا تعني النور لجنس غير متصالحٍ مع لا وعيه، بل تعني الحرب والخراب والاقتتال.
الليل ليس للنوم فقط؛ الليل لدراسة أطوارٍ عديدة للكينونة البشريّ: النوم، نصف النوم، الشّرود، الأحلام العميقة، الأحلام الصافية، والومضات الرؤيوية. والشمس تشرق لا لكي نقفز لاستقبالها بل لمنح تأمّلنا ضوءاً جديداً. الليل استدارةٌ قسريّة نحو المجرّة التي تختفي عنّا في النهار بفعل وهم الحاجز الشمسيّ.
لا حاجز ملموس يفصل بيننا وبين أبعد نجمٍ نراه: بعض الهواء وفيض من الخلاء. لا حاجز ملموس بيننا وبين الكواكب. الكوكب قريبٌ منّا كما الشّجرة المجاورة أو منزل الجيران، كلّ يبتعد عنّا بتناسب طرديّ مع حجمه وما يحتاجه تأثيره اللطيف علينا من توارٍ.
النّهار وهم لأنّه يشكّل أمامنا حاجزاً أزرق غير موجود حقيقةً- الشمس هي الاستثناء الموضوع لأجل غاية صغيرة من ضمن الغايات الكبرى التي يجب أن نسعى نحوها. العمل عبادة للشمس والتفكير تسليمٌ لروحانية الليل.

وإذا وصل الإنسان إلى سُكنى اللّيل فسيجد طريقه مفتوحاً إلى صور الكواكب، فالمواجهة مع ضخامة الكون وعناصره تصبح أمراً لا مفرّ منه؛ هنا ثنائيّة الرّهبة والدّفء: الرّهبة من هذا الانفجار الذي أتى على جدران الفقاعة النّهارية الواعية للمحدود/ غير الواعية لكلّ هذه المتواريات، ودفء الانطواء في ليلٍ لا ينتهي لا يدخل بوّابته إلّا مَن غزتهم الصّور بلا إرادة مبادِرة من طرفهم. وليس عند الصّور محاباة واختيارات خاطئة! الرّهبة يفرضها السّواد الحالك الذي يفرض نفسه على وعيٍ اعتاد شمس النهار، والدفء كامنٌ في حجرة مغلقة يلفّها السواد تشتعل بداخلها نار الخيميائيّ الذي يقف مذهولاً أمام مختبره الجديد الذي لم يبنِه هو. هناك لا يسكن الصّوت كما نعرفه، وأمّا الضوء فليس غائياً كلّ الغياب ولكنه ينساب برفقٍ إلى الأمكنة التي يجب أن يضيئها في الحجرة.
هكذا تصير الجغرافية الكواكبية فضاءً، لا هو مألوف ولا هو غريب؛ إنّها مكان للاستكشاف الخياليّ من دون أدنى توقّع بما سيحصل خلال مسيرة الاستكشاف. إنّه استكشاف بلا معارف قَبليّة لأنّه في الأساس مفروض علىى الذّهن. لماذا يبدأ القمر بالكشف عن وجهه العجائبيّ وأشعته غير المرئية؟ لماذا تصير الكواكب والنجوم ومجموعاتها مثار فضول غامر لا فكاك منه؟ لا يمكن للإنسان الليليّ أن يأتي للآخرين بإجابة علمية شافية، ولكن شيئاً ما يخبره أنّ الأمر يهيّئه لطبقة من الوعي المختلف. الكواكب تسكن السّماء الليلية، وهي تبدو أكبر وأكثر طنيناً. لماذا؟

النفس الليلية مصيرها أن تجد لنفسها فضاءً لا يعترف بالزمن وحيث الزّمن أيضاً، ممثَّلاً بروح الحقبة المعاشة، سيبدأ بمحاربتها. النّفس الليلية في تكوينها، ومهما كان نوع النشاط الشاقّ الذي تقوم به، تبقى مناهضة للحركة الاندفاعية وميّالة من دون شكّ إلى نمط الحركة الموجية المتهادية. إنّها مستقبلة تأمّلية وكلّ نشاط حَرَكيّ عندها مطابقةً مع الحبّ/ المنطلَق الحدسي التلقائي.
كل ما لا يُكتَب يبقى ليلياً، وما يبقى ليلياً يخرج من الزمن لأنّ الزّمن هو التاريخ، اختراع الذين يريدون أن يفرضوا أنفسهم على الطبيعة. ومهما كُتِب فإنّه يبقى مجرّد صورة عن عالم أغنى بكثير من المكتوب، ولذلك فعالم النفس الليلية لا يمكن تأريخه بأيّ شكل وبالتالي يبقى محميّاً في حجراتٍ خفيّة تجد أمكنة لها في طبقات نفسانيّة عميقة ومحروسة جيداً.
الليليّ يحوم بين الكواكب، والسّماء الزرقاء غير موجودة عنده إلّا كمنظر في ليلة صافية. وإذا كان يحوم بين الكواكب ويتساءل عن علاقته بمجموعات النجوم فهو قد تخلّى عن ارتباطه الأوحد بالشمس وما تفرضه من مواقيت وأعداد وإطارات زمنية اجتماعية. ومن هنا يكون من الطبيعيّ أن يجد الليليّ نفسه في مرّات تقلّ أو تكثر على تضادّ واضح مع العالم المحكوم بالشمس.