الرسالة الخامسة إلى أورورا

بقلم فادي أبو ديب

2

أورورا، ما نفع المحبّة إن لم يظهر تمرّدها على العاديّ في عالم البديهيّات البشريّة؟ ما هي فضيلتها إن لم تكثر إلى درجةٍ تثير خوف الناس وتجعلهم يشرِّعون أسلحتهم؟

المحبّة لا تكون هي ذاتها إن لم تهزّ أركان العالم، وتثير في عينيّ الرّائي الذّهول والإدانة؛ فإدانته لها هي ما يثبت تفرّدها وعجائبيّتها وسلطانها الرّهيب في الاستئثار بما عند بني الإنسان من خطايا كامنة.

المحبّة هي التي تُظهِر خطيئة العالم على العَلَن؛ هي التي تكشف الزّيف، وتجعل كلّ قبيحٍ مجمَّل يظهر كما هو؛ هي التي تشقِّق القبور ليظهر ما فيها من فساد.

المحبّة يا أورورا عندما صُلِبَت تفاضلت وازدادت جداً فشقّت حجاب قدس الأقداس…قدس الأقداس يا ابنة الطريق القويم.

هكذا هي ما تزال حتى اليوم، فكل ما هو من طبيعة الله لا يتغيّر لأنّه لا يعرف زمناً ولا محدوديّةً. المحبّة اليوم تكشف المحجوب مما فَسُد من مقدِّسات الناس؛ فتصبح أقداس مقادسهم مكشوفة فيُبان عِريُها، وتنكشف عورة نقصها وتُفتَضَح.

المحبّة وحدها تُذِلّ كبرياء الإنسان وتكشف بربريّته وتعلّقه بأهداب الظلام. المحبّة يا أورورا نورٌ خالص، لذلك فلا يمكن للظلمة إلّا أن تحاربه لأنّ لا خيار لها؛ لا خيار أمام الجهالة إلّا أن تشنّ عليها حرباً، لأنّ المحبّة تهدِّد وجودها وسلطانها.

المحبة يا ابنة الحلم هي معرفة، لا بل هي المعرفة الوحيدة والحقيقة الوحيدة، فالكون خُلِق من فيض المحبّة، وأساس الله الأزلي محبّة متبادلة بين أقانيمه العجيبة.
المحبّة سرّ، ومن لا يدخل غمارها يموت إلى الأبد.

المحبّة لا تُخيفنا، لماذا؟ لأنّها نظام الكون الأصلي. وهل من عاقلٍ يخاف إن عرف أنّه يدخل في أصل منظومة الحياة والخلق؟ هل من قوّةٍ أُخرى يمكن أن تهزم “الأصل” والقانون الأوحد؟

أورورا، لا تخافي أن تشربي من نبع الحياة الوحيد…أورورا، المحبّة ليست شِعراً نتغنّى به، ولا هي حلمٌ اخترعته عقولٌ تائهة، بل هي كلّ الحقيقة التي بها نحيا ونتحرّك ونوجَد؛ هي كلّ شيء، وهي لا تُهزَم أبداً، لأنّ لا شيء يوجد من دون “كلَّ شيء”، ولا يمكن لـِ”كلّ شيءٍ” أن يزول، لأنّه هو حقيقة الوجود ولا يمكن للاوجود أن يحلّ محلّ الوجود لأنّه ليس بموجود.

أورورا، عندما نحبّ فنحن ندخل إلى بِلاط الوجود؛ فأيّ شَرَفٍ لنا أن نتألّم لندخل في معركةٍ محسومة النتيجة!