الرسالة السابعة إلى أورورا

بقلم فادي أبو ديب

14053_524684904240664_466160181_n

أورورا، قد عيّننا الآب قبل تأسيس العالم لنكون واحداً، فحبّنا هو انبثاقٌ طبيعيّ من هذا الحبّ الكلّي الوجود، الموجود منذ الأزل إلى الأبد. نحن تجلّياتٌ له، استعلاناتٌ بديهيّة لوجوده الحتميّ، ولهذا فحبّنا حتميّ، ومجرّد تجلٍّ لما هو موجودٌ أصلاً. كلّ حبٍّ في العالم هو فكرة كامنة في الله ونُطِقت في لحظةٍ ما. هو المنبع ونحن الواردون إليه؛ هو المَنهَل ونحن النّاهلون منه؛ هو النور الأوّل ونحن أنوارٌ فاضت منه.

الحبّ إذن استعلانٌ لطبيعة الله التي لا يفهمها نظام العالم. إنّه سِرٌّ سرمديّ ينجلي في الزمان، ولا يعرفه مَن يعتقد بأنّ الزمان يتحكّم فينا.

الزّمن يا أورورا مجرىً فوضويّ، وحين نحبّ فنحن نخرج منه لنجلس على ضِفافه. الزمن غير موجودٍ إلّا في عقولنا، وأمّا في قلب الله فكلّ حبٍّ حاضرٌ سرمديّاً، موجودٌ أبداً، لا تنفصم عُراه لأنّه لا يعرف زماناً أو مكاناً.

ليتني أمتلك إيماناً لا يتزعزع بوهميّة الوقت! ليتني أعرف دائماً بأنّ الزمن لا يستطيع أن يمنع ما هو موجود منذ الأزل وفيقبع الآن خافياً تماشياً لضرورات العالم التنظيمية المتعلِّقة بالزمان والمكان.

نعم، إنّ الزمن هو وهم، والمكان هو وهم، والحقيقة الوحيدة هي نحن ومنظومة الحبّ المثلّثة الأقانيم.

أورورا، إنّ ملء الزمان هي اللحظة التي تقتحم فيها الأبدية رتابة الزمان والمكان، وإنّي لأومن بأنّ ملء زماننا يكاد يحضر.

عزيزتي، إنّ الحبّ ليس إلّا تألُّهاً وتحوّلاً إلى تلك الصورة التي خُلِقنا عليها. إنّها اشتراك في طبيعة الله. يا للعظمة! يا للذهول والغرابة!

لم يكن الحبّ ظاهرة بشريّة محضة ولن يكون، بل هو اقتحامٌ إلهيّ لعالم السّقوط؛ فعالم الإنسانية الحقّة متّصلٌ بعالم الله، وأمّا عالمنا هذا فهو عالم السّقوط.

أورورا، يا فجر القلب الذي لا ينفكّ يضيء عليّ بأنوارٍ غامضة، إنّ اللحظة التي يجتمع فيها قلبان هي لحظة غامضة محاطةٌ بالسِّرّيّة التامّة حتى عليهما هما، فما يجمعه الله لا يطّلع عليه إنسان، فكيف له أن يفرِّقه بعد هذا؟!

إنّ الزواج هو مُسمّىً بشريّ لأقدم سِرٍّ إلهي خلقه الله منذ ابتداء الخليقة، هو حَدَثٌ غير منظور ابتكر له الإنسان في عالم السقوط آلافاً من القوانين درءاً للفساد الذي حلّ بهذا العالم.

إنّه سِرّ يتمّ في الأبدية، ويعتقد بعض البشر أنّ بإمكانهم إبطاله!

أورورا، عالمنا المنظور مليءٌ بأشباه الحقائق والخِداع وبالأسماء التي لا تعكس حقيقة مسمّياتها؛ فمن أعطى سلطاناً للبشر لأن يعيّنوا ما هو الحقّ وما هو الزَّيف؟ وإن كانت الأغلبية تنجرف وراء الظاهر والملموس، فما ذنب من لا يهتمّ إلّا بالجوهر والمثال؟

الحقيقة فقط في ذاك الذي أحبّنا منذ الأزل. هو الحقّ المُطلَق وفي تطرّف محبّته التي لا تخاف أن تُنعَت بالسذاجة والحماقة قدوةً لا تنضب لتطرُّف حبِّنا.

أورورا، انغماسي فيكِ علّمني كيف تولدُ الصلاة، وكشف لي بجلاءٍ معاني الفِداء الغامضة. الحبّ يا زهرةً للتوّ تنسّمت عطور الرّياح البرّية، الحبّ وحده، يدفعنا بعمقٍ لأن نمارس الإتلاف المقدَّس للذات، حينها فقط نفهم الحَدَث المسيانيّ الجليل الذي قام به مخلِّص هذا العالم.