الرسالة العاشرة إلى أورورا

بقلم فادي أبو ديب

wpid-img-20130308-wa0002

عمّدتِني برشّة أزهار فاستيقظت روحي من سباتها وقبَّلت روحَكِ الخافقة حولي. هل تعلمين يا حبيبتي أورورا بأنّنا كثيراً ما نكون على بُعدِ زهرة أو شعاع شمس يفاجئنا في إحدى الزوايا من أن ندخل حيّزاً جديداً من الرؤى؟

نحن لا نرى الحقائق بعيوننا، بل نرى بما في داخلنا من أفكار الواقع الخارجي. واقعنا الداخلي- خيالنا هو مَن يرى في الحقيقة واقعنا الخارجيّ، لذلك فاجعليني أغرق في عالمكِ الداخلي لكي تريْ بي ما هو حولكِ، كما جعلتكِ تتخلّلين كلّ ما في داخلي فأرى العالم وأفهمه بكِ.

عمّديني بالزّهور، بدفقاتِ من الحنان،بصوتكِ النقيّ الذي يخترق كلّ عشوائيّة حولي؛ عمّديني كلّ يومٍ لكي تعيشي فيّ وأرى بكِ.

الواقع يا أورورا هو ما نعيشه، وصُلب الواقع هو ما في داخلنا وليس ما هو من خارج، والوهم هو ما لا يمتلك أرواحنا ويغذّيها كلّ يوم، هو ما لا يتلامس معنا، ولهذا فليس كلّ موجودٍ خارجنا هو موجودٌ بالنسبة لنا، وليس كلّ حدث يحصل هو واقعٌ حقّاً بالنسبة لنا. الواقع يبدأ من خيالنا الذي نعيش به وفيه سويّةً. فإن كان قلبي ينبض لكِ فإنّك إلى جانبي في الواقع، وإن كانت كلّ كلمةٍ تنطقينها تخترقني فأنتِ تسكنين بقربي.

كلّ إنسانٍ في هذا العالم يا أورورا يعيش ما في داخله، ويرى ما يحدث خارجه من منظار عالمه الداخلي، فأخبريني إذن ما هو الواقع الحقّ وما هو الوهم؟ أَهَل الواقع هو ما تراه عيوننا أم ما نمتلكه في داخلنا.

بالنسبة لواقعي الداخلي، فليست كلّ شجرةٍ أراها اليوم هي ذات الشجرة التي رأيتها البارحة، لأنّ أفكاري عنها اليوم قد تختلف عنها أمس.

نحن في عالمٍ يتجدَّد سِرّاً في كلّ يوم، لأنّنا عيوننا في كلّ يومٍ “ترى” شيئاً جديداً.

أحبّكِ اليوم وسأحبّكِ غداً. هذا واقع حاصل وأكيد لأنّه يحدث في العالم الحقيقي- الداخلي، وأمّا كلّ ما هو في الخارج فليس ذا معنى إلّا بحسب الأفكار الموجودة في الداخل- واقعنا الحقيقي.

وجودنا إذاً بجانب بعضنا هو واقعٌ حقيقيّ لأنّه ينبع من الداخل، وأمّا المكان والزمان فهما وهم لأنّهما يتأثّران بما ينبع من داخلنا. الزمن يتسارع أو يتباطأ بحسب أفكارنا، والمسافات نشعر بها طويلة أو قصيرة بحسب ما يدور في عالمنا الداخلي.

وإن كان وجودنا معاً هو واقع أكيد، فهو أكثر حقيقيّةً من كلّ ما هو في العالم المنظور خارجاً، لأنّنا نحن من يُكسِب كلّ ما يحصل خارجنا المعنى.

 

ما هو الأبد يا أورورا إلّا رؤية كلّ الأشياء بدهشة دائمة؟ أن تكون دائماً أمامنا وكأنّها تُكتَشَف لأوّل مرّة؟

في هذا العالم المنظور نحن سجناء مملكة السَّأم…سجناء الاعتياد، الذي لا يمكن تدميره إلّا بالعيش في عالم الله، عالم التجدّد اللحظي، عالم الحب الذي هو فَيْض وليس استكانة ولا جمود؛ إنّه مجرىً رقراق، وليس بحيرة ساكنة؛ إنّه ولادة دائمة وليس حدث يحصل لمرّة واحدة. فالحبّ هو جوهر وجود الله الذي لا يستكين؛ هو خَلْق وإحياء يستمرّ للأبد، ومن يحبّ فإنّه يشارك في حياة الله الذي”يفعل” من الأزل للأبد.

الدّهشة يا أورورا تحصل عندما ينعدم عندنا مفهوم الزمن، فلا نعود نشعر بكم مضى وبكم سيبقى، بل نعيش وكأنّ هذه اللحظة باقية للأبد، فالحياة في اللحظة هي دخولٌ في الأبد، ومن يدخل الأبد لا يعيش بعدُ في السَّأَم!

هل قالوا لكِ بأنّ المتعة هي عكس السَّأَم؟ إنهم مخطئون، لأنّ الحبّ هو عَكسُ السَّأَم؛ ففي هذا موتٌ وفي ذلك حياة؛ في هذا يأسٌ من وجود الدّهشة المتجدّدة (أيوجد هناك حياةٌ بعيداً عن هذه؟) وفي ذلك الحبّ دخولٌ إلى عالمٍ يصبح فيه المستحيل ممكناً؛ في السَّأَم تحديدٌ للحياة ضمن قواعد المنطق وغير الممكن، وفي الحبّ اعترافٌ بأنّنا نخضع في الحقيقة لمنظومةّ حبٍّ إلهية ترتّب الظروف كلّها لخدمة هذا الحبّ الذي يشتهي أن يظهر ويتجلّى في حيَوات الناس.

هذه المنظومة هي التي تدير الكون بشكلٍ عاقل، وكل من يحبّ فإنّه ليس خارجها بعد بل يسير فيها ويُحمَل على أمواجها، ولا يمكن إلّا أن يصل إلى المجد الذي تريده له هذه الرّقصة الإلهية.