إلى هولدرلين…

بقلم فادي أبو ديب

Holderlin

كيف سيبقى الرّبيع مُزهِراً في الجسد
وهي قد ارتَحَلَتْ إلى دُنيا المُطلَق؟
أبَتْ إلّا أن تغادرَ عالماً لستَ فيه
عالمٌ بات لا يُحتَمَل في حضرة نقائكَ
ذلك النّقاء الذي ما بَرِح يتباعد كلّما تَدانى

كيف سيبقى الرّبيع في أديم الذِّهن
وقوّة الحياة قد نَضَبَتْ؟
ولكن…
كيفَ تحزَنْ وهي قد سافَرَت لتكون معك
إلى ذلك العالَم الأثيري الأقرب إليك؟
ديوتيما…الأمّ…الإلهة المعبودة
مانحة الخصوبة لروحكَ
الوحي المقدَّس والقصيدة البُكائيّة
التي أُريدَ لكَ أن تكون نبيَّها
كيف تحزَن وقد جذبَتكَ لتكونَ بصحبتِها إلى الأبد؟

لا يعلمون أنّ الجنون ارتحالٌ إلى عالم الحبّ
وأنّ الذُّبول ليس إلّا نماءً في الخَفاء
يُعشِّش في تُربة الأبديّة
ويُسقى بدموع الرّاحلين التوّاقة للِّقاء
افرَح لأنّها أحبَّتَك فأبَت إلّا أن تُسكِنَكَ في حضورِها
لكن هكذا نحن سكّان هذه الفانية
لا نسكن مع الخالدين إلّا بالصَّمت
وأمّا ذبول العينيْن… القَبَس لاشتعال الرّوح
فهو ليس إلّا علامة الصّعود إلى المَقدِس السِّرّيّ
وانبهاراً بالرُّؤى المَهيبة

كيف سيبقى الرّبيع في القلب
وقد امتصّت الرّوح كلّ نسغِهِ
لتُخرِج شجرة حياتِها؟
كيف سيبقى الرّبيع في العينيْن
وقد تخلّت عن نداها
لتكون أكسيرَ حياةٍ تشربانه سويّةً في عالم الخالِدين

هنالك في ظلمة الليل الحالِكة
يبزغ نور الصَّمت الذي يُسمّيه البشر جنوناً
وتعزف الموسيقى الخفيّة نغماتها الحزينة
ألا تعلم أنّ الحزن هو الأغنية الوحيدة
التي يمكن للخالِدين والفانين أن يغنّوها سويّاً؟
هنالك… في ما يظهر للفانين جنوناً
كلّ تنهيدةَ تخرج منكَ…
هي قبلةً على ثغرها الهامسِ إليكَ من عليائها
وكلّ انكماشٍ في أوصالكَ
هو عناقٌ لم تعتدْه أجساد الأرضيّين
وكلّ جموحٍ في أمواج الكلمات المتلاطمة
دعوةٌ أخرى للصمت والإصغاء إلى صوتِها
وكلّ عذابِ ليليّ
ليس إلّا تلاقٍ بروحها في الغرفة العرائسيّة

ديوتيما…
أبَت إلّا أن تشارككّ أبديّتها في تناهيكَ الأرضيّ
وأن تعلِّمكَ لغة السماويّين قبل حلول الميعاد
افرحْ لأنّها أحبّتك هكذا
حتى أنّ جسدها لم يحتمل أن يبقى في عالم الظُّلم والفوضى
افرَح لأنّكما دخلتما من الباب معاً
لتحتفلِا بالنّهار الأبديّ بعيداً عن عالم الأموات.