آخر البقيّة

بقلم فادي أبو ديب

مات جدّي منذ زمنٍ بعيد
ودُفِنت معه ذكريات طفلٍ سعيد
من تلك الأيّام لا أذكر سوى شذراتٍ خاطفة
ألعابٍ طفوليّةٍ مكسورة
ووجهِ حكيمٍ…وإنجيلٍ صغيرٍ ضائعٍ…
أخبرني ذات مرّةٍ أنّ فِرع يسّى وُلِد من عوبيد

مع جدّي ماتت كلّ طرق الطفولة الترابيّة
وبقيت المسبحة الكبيرة معلَّقة على حائطٍ قديمٍ
فلا من يرث ذكرى تقيٍّ…
والكلّ مشغولٌ بخدمة آلهة زمن العبيد

بعد جدّي لم يعد الأطفال في حارتنا يلعبون الكرة
وتهاوى الشيوخ واحداً واحداً إلى القبر
ولم تعد بربارة تفرح بالحنطة المسلوقة
وبكى كانون حين رأى الناس تهزأ بأفراحه…
وترقص وتسكر في ذكرى الميلاد المجيد

الوادي الأخضر لم يعد يرى زوّاره…
فنصفهم ماتوا…وبعضهم جلسوا في انتظار الرّحيل…
والباقون باتوا يخجلون به…
فها هم أكثر فخراً بأصنام واحابيل الزّمن الجديد

نضُبت “العين” حزناً على أصدقائها الموتى
ومادت تحتها الأرض لفرط وحدتها
فلجأت إلى باطن أمّها الحنونة…
على امل الخروج مجدَّداً في غسقٍ ساحرٍ ليومٍ عتيد

بعد جدّي…حرثوا المراعي…
حرقوا الأراضي…
سجنوا…عذّبوا…وقتلو كل صنديد
ردموا السّواقي
بكت المآقي…
فهذا الزّمن لم يتسيّده إلّا كل جبانٍ رعديد
قلب الطِّفل الحرّ ذاك…
ما زال واقفاً في الزمن العتيق
ما زال عاشقاً لقدامى محاربي الطّريق
ما زال جرحه ينزف كلّ يومٍ…دماً وصديد

ما زال يعشق الكرة…والمسبحة
وما زال يقرأ كلّ يومٍ قصص احفاد يسّى بن عوبيد

يتذكّر كلّ يومٍ أن الوادي الأخضر إرثه الوحيد
وأنّ كلّ الصلوات أمام تمثال مامون
لن تفيد البشر…ولن تطعمهم لا قمحاً ولا سميد

بقي الطفل اميناً لقوس الجدّ وسهامه
بقي يحتفظ في صدره بسرّ كبيرٍ
وهو أنّه في باطن الوادي العظيم
هناك في الأعماق المجهولة…
تكمن شمس العهد الجديد
ومن نارها يخرج في نهاية الزمانِ…
 خاتمٌ محفورٌ عليه اسمٌ مجهولٌ…
لا يقرأه إلّا كلّ رحّالة صادقٍ عنيد